الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 272 ] باب الشك في الطلاق

قال الشافعي رحمه الله تعالى : " لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان لعنه الله يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا علمنا أنه لم يزل يقين طهارة إلا بيقين حدث فكذلك من استيقن نكاحا ثم شك في الطلاق لم يزل اليقين إلا باليقين " .

قال الماوردي : أما الشك في أصل الطلاق هل طلق أم لا ؟ فلا طلاق عليه إسقاطا لحكم الشك ، واعتبارا بيقين النكاح وأن أحكام الشرع مستقرة على تغليب اليقين على الشك لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا شك في صلاته فلم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ما استيقن .

ولقوله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا .

فأمره في هذين الخبرين أن يعمل على اليقين فيما يؤديه من صلاته وفيما يلتزم من حدثه وأسقط حكم الشك أن يتعلق به حكم ، فكذلك في الطلاق يلزم ما يتيقنه ويسقط ما يشك فيه ، وكذلك سائر الأحكام ، فإن قيل : فقد تركتم هذا الأصل في مواضع غلبتم فيها حكم الشك على اليقين منها في صلاة الجمعة إذا شك وهو فيها في دخول وقت صلاة العصر غلب حكم الشك وأتمها ظهرا فالجواب عن هذا أن أصحابنا اختلفوا فيه ، فذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنه يتمها جمعة تغليبا لحكم اليقين في بقاء الوقت فسقط هذا الاعتراض .

وقال غيره من أصحابنا : بل يتمها لأجل الشك ظهرا : لأن فرض الصلاة متيقن فلم يسقط إلا بيقين الأداء ، وأداء الجمعة يصح بشرط متيقن وهو بقاء الوقت ، فلم يصح أداؤها مع الشك في وجود شرطها فلذلك أتمها ظهرا ، فعلى هذا إنما هو تقابل أصلين لا يمكن العمل على اليقين فيهما فرجحنا حكم اليقين في أوكدهما .

ومنها المتلفف في ثوبه إذا ضربه ضارب فقده ، واختلف في حياته قبل ضربه ، [ ص: 273 ] القول فيه قول ضاربه ، فقد خالفتم اليقين في بقاء حياته ، قلنا : أما القود فلا يجب ، لأنها شبهة والقود حد يسقط بالشبهة ، وأما الدية ففيها قولان :

أحدهما : تجب اعتبارا باليقين في بقاء حياته .

والثاني : لا تجب اعتبارا باليقين في براءة الذمة ، فعلى هذا قد تقابل أصلان لأحدهما بقاء الحياة في وجوب الدية .

والثاني : براءة الذمة في إسقاطها فعلم حكم اليقين في أحد الأصلين وهو براءة الذمة ، وليس كذلك في الطلاق لأنه أصل واحد لم يعارضه غيره فاعتبر اليقين فيه . ومنها أن العبد الآبق إذا أعتقه عن كفارته لم يجزه ، والأصل بقاء حياته ، قيل : هذا نص الشافعي في عتقه عن الكفارة أنه لا يجزئ : لجواز أن يكون ميتا ، وعليه زكاة فطره ، لجواز أن يكون حيا ، فغلب حكم الحياة في الزكاة ، وحكم الموت في الكفارة .

فمن أصحابنا من نقل كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى ، وأخرجهما على قولين :

أحدهما : يجزئ عتقه في الكفارة كما تجب فيه زكاة الفطر : تغليبا لليقين في بقاء الحياة .

والثاني : لا تجب فيه زكاة الفطر ، كما لا يجزئ عتقه في الكفارة ، تغليبا لحكم اليقين في بقاء الكفارة في الذمة ، لأنه تقابل أصلان فرجح اليقين في أوكدهما وليس كالطلاق الذي هو أصل واحد يجب اعتبار اليقين فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث