الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 326 ] باب المطلقة ثلاثا

قال الشافعي رحمه الله : " قال الله تبارك وتعالى في المطلقة الطلقة الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ البقرة : 230 ] . وشكت المرأة التي طلقها رفاعة ثلاثا زوجها بعده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنما معه مثل هدبة الثوب فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك .

قال الماوردي : وهذا صحيح كل زوج وقع طلاقه على كل زوجة من صغيرة أو كبيرة عاقلة أو مجنونة إذا استكمل طلاقها ثلاثا مجتمعة أو متفرقة قبل الدخول أو بعده فهي محرمة عليه حتى تنكح زوجا غيره ، ويدخل بها الثاني ، فتحل بعده للأول بعقد الثاني وإصابته ، وهو قول الجماعة .

وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير تحل للزوج الأول بعقد الثاني ، وإن لم يصبها فجعلا الشرط في إباحتها للأول عقد الثاني دون إصابته استدلالا بعموم قول الله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [ البقرة : 230 ] . واسم النكاح يتناول العقد دون الوطء .

ولأنه لما ثبت بمجرد العقد تحريم المصاهرة ثبت به حكم الإباحة .

ودليلنا حديث الأعمش عن عروة عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق زوجته ثلاثا فنكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت زوجها وقالت إنما معه كهدبة الثوب فقال : لعلك تريدين رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وهذا نص .

وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن عمرو بن حزم طلق العميصاء فنكحها رجل فطلقها ، قبل أن يمسها أو طلقها رجل فتزوجها عمرو بن حزم وطلقها قبل أن يمسها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله هل ترجع إلى زوجها الأول ؟ فقال لها : هل قربك ؟ قالت يا رسول الله ما كان له إلا كهدبة الثوب فقال : فلا إذا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك .

وروي عن عبد الله بن عمر أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت بعده زوجا فخلا [ ص: 327 ] بها وأغلق الباب وكشف القناع إلا أنه لم يطأ فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تحل للأول إن طلقها الثاني ؟ فقال : لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها .

والعسيلة : مختلف فيها فذهب أبو عبيد القاسم بن سلام إلى أنها لذة الجماع ، وذهب آخرون إلى أنها الإنزال وذهب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى أنها الجماع ، لأن اللذة زيادة والإنزال غاية .

وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : العسيلة هي الجماع .

ولأنه إجماع الصحابة روي ذلك عن علي وعائشة وجابر وابن عمر وأنس أنها لا تحل للأول حتى يصيبها الثاني

وقال عمر وعلي حتى تذوق العسيلة وهي ماؤه ، وليس لهم في الصحابة مخالفة ، لأن الزوج الثاني شرط عقوبة للأول ، وزجر من الطلاق الثلاث لتدعوه الحمية والأنفة من نكاح الزوجة أن لا يطلقها ثلاثا : لأنهم كانوا يطلقون ويراجعون ، فلو حلت له بمجرد العقد من غير إصابة لما دخله من الحمية والأنفة ما يمنعه من الثلاث كما يدخله إذا وطئت ، فلذلك صار الوطء مشروطا .

فأما الآية وأن النكاح هو العقد دون الوطء فمنها جوابان :

أحدهما : أن العقد حقيقة في النكاح ، فجاز فيه الوطء ، وقد يجوز أن يحمل على مجازه بدليل ، والسنة أقوى دليل ، قال الشافعي : فسرت السنة الكتاب وأولى ما فسر به القرآن هو السنة .

والثاني : أن الكتاب أوجب شرطا هو العقد ، والسنة أوجبت شرطا ثانيا وهو الإصابة فاقتضى وجوب أحدهما بالكتاب ، ووجوب الآخر بالسنة .

وأما تحريم المصاهرة فلا يجوز أن يعتبر به حكم الإباحة ، لأن التحريم أوسع لحصوله بالوطء من غير عقد كالوطء بشبهة كذلك بالعقد من غير وطء والإباحة لما لم تثبت بالوطء من غير عقد ، ولا بالفاسد من العقود لم يثبت بمجرد العقد من غير وطء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث