الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 496 ] باب من له الكفارة بالصيام من كتابين

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " من كان له مسكن وخادم لا يملك غيرهما ولا ما يشتري به مملوكا كان له أن يصوم شهرين متتابعين " .

قال الماوردي : وأصل هذا أن العتق في كفارة الظهار والقتل على الترتيب لا يجوز أن يعدل عنه إلى الصيام إلا مع العجز عنه ويلزمه العتق مع القدرة عليه بعد وجود كفايته، وإذا كان كذلك لم يخل حاله من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن لا يقدر على الرقبة ولا على قيمتها، فيجوز له أن يصوم بنص الكتاب وإجماع الأمة .

والقسم الثاني : أن يقدر على الرقبة أو على قيمتها وهو غير محتاج إليها فعليه العتق ولا يجزيه الصوم إجماعا .

والقسم الثالث : أن يقدر على الرقبة أو على قيمتها وهو محتاج إليها فقد اختلف الفقهاء في جواز تكفيره بالصيام على ثلاثة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يجوز أن يكفر بالصيام، سواء وجد الرقبة أو قيمتها ولا يلزمه العتق إذا كان محتاجا إليهما .

والثاني : وهو مذهب مالك والأوزاعي أنه لا يجزئه الصوم سواء وجد الرقبة أو قيمتها وعليه العتق وإن كان محتاجا إليها .

والثالث : وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - أنه مع الحاجة إليهما يكفر بالعتق إن كان واجدا للرقبة وبالصوم إن كان واجدا للقيمة استدلالا بقول الله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين وهذا واجد للرقبة فلم يجزه الصوم، قال : ولأنه واجد لرقبة تجزئ في الكفارة فلم يجز له الانتقال عنها إلى الصوم، كما لو وجدها فاضلة عن كفايته .

واستدل مالك والأوزاعي بأن الحقوق ضربان حق الله تعالى وحق الآدميين ، ثم كانت حقوق الآدميين تستوفى من أصل المال ولا تقف على الفاضل عن الكفاية فحق [ ص: 497 ] الله تعالى أولى أن يستوفى من أصل المال ولا يقف على الفاضل عن الكفاية، ودليلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ابدأ بمن تعول فجعل ما تعلق بنفسه وعياله مقدما على غيره، فدل على أن صرفه في الكفاية أولى من صرفه في الكفارة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى الواطئ في شهر رمضان عرقا من تمر ليطعمه ستين مسكينا فقال : يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فقال : خذه فكله فجعله وعياله أحق به من الكفارة فدل على تعلقها بالكفاية .

فإن قيل : فلم تسقط عنه الكفارة قلنا : الكفارة عند أبي حنيفة يلزم إخراجها على الفور ولو وجبت لقدمت ، ولأنها عبادة ذات بدل فوجب إذا تعلقت بالمال أن تختص بالفاضل عن قدر الكفاية كالطهارة إذا احتاج إلى الماء لعطشه جاز له التيمم مع وجوده ، وإن شئت عللت بغير هذه العلة فقلت : لأن حاجته تستغرق ما معه فوجب أن يكون كالعادم في الانتقال إلى البدل، أصله ما ذكرنا من الخائف العطش في الطهارة ، ولأن القدرة على المبدل في حكم القدرة على المبدل منه فلما تعلقت القدرة على قيمة الرقبة بالفاضل عن الكفاية وجب أن تكون القدرة على الرقبة متعلقة بالفاضل عن الكفاية . فأما الجواب عن قياسهم على وجودها فاضلة عن كفايته فهو أن المعنى فيه أنه لم تستغرق حاجته .

وأما الجواب عن جمع مالك بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أن حقوق الآدميين لا تجب إلا عن معاوضة من بيع أو إجارة أو صداق أو قرض أو أرش جناية فأكدت، وحقوق الله تعالى تجب ابتداء فخففت .

والثاني : أن لحق الله تعالى في الكفارة بدلا فكان أخف وليس لحق الآدمي بدل فكان أغلظ .

والثالث : أن حق الله تعالى أوسع، ولذلك تعلقت الزكاة بمال دون مال، وحق الآدمي أضيق فلذلك تعلق بكل مال .

فصل : فإذا ثبت ما وصفنا من تعلق العتق بوجود الفاضل عن الكفاية فمن كفايته الثياب التي يلبسها لأنه لا غنى لأحد عنها ، وداره التي يسكنها لأنه لا يجد بدا منها ، وأما رقبة يستخدمها فإن كان محتاجا إلى الخدمة لزمانة، أو لم تجر عادة مثله إلا بالخدمة فالرقبة من عبد أو أمة من جملة كفايته، فإن كان غير محتاج إليها ولم تجر عادة مثله بالخدمة ففيه وجهان :

أحدهما : أنها لا تضاف إلى كفايته وتكون فاضلة عنه يلزمه التكفير بها . [ ص: 498 ] والثاني : أنها من كفايته لكونها من كفاية غيره، ولأن من يخدم نفسه فلعدم القدرة على من يخدمه . وأما المادة فهي من كفايته التي لا يستغني عنها ولا يلزم بدنه إلا بها، وهي من إحدى ثلاث جهات ؛ إما من استغلال عقار أو ربح تجارة أو كسب صناعة . فأما استغلال العقار فقد يكون تارة أرضا تزرع وتارة شجرا تستثمر وتارة أبنية تؤجر ، ومثله أن يكون ماشية تحتلب ، فإن ملك من هذه الأصول ما تكون غلته وفق كفايته من غير زيادة كانت هذه الأصول من جملة كفايته فيجزيه الصوم ولا يلزمه العتق . وإن ملك منها ما غلته أكثر من كفايته كانت زيادتها خارجة عن كفايته ، فإن بلغت زيادة أصولها قيمة الرقبة كفر بالعتق دون الصوم وإن نقصت عن قيمة الرقبة كفر بالصوم ولا يحل له أخذ الزكاة . وأما ربح التجارة فإن كان يملك من رأس المال ما يكون ربحه وفق كفايته كان رأس المال من جملة الكفاية ويكفر بالصوم دون العتق ، وإن كان رأس المال زائدا عن القدر الذي يكتفي بربحه كانت الزيادة خارجة عن كفايته، فيصرفها في عتق كفارته .

وأما كسب الصناعة فإن كان وفق الكفاية كفر بالصوم ولم يحل له أخذ الزكاة ، وإن كان أكثر من الكفاية نظر في زيادة الكسب، فإن قلت وكانت لا تجتمع فتبلغ قيمة الرقبة إلا في زمان طويل ينسب فيه إلى تأخير التكفير عن وقته لم يلزمه جمعها للعتق وجاز أن يكفر بالصوم ، وإن كان إذا جمعت في قليل الزمان الذي لا ينسب فيه إلى تأخير التكفير بلغت قيمة الرقبة كثلاثة أيام وما قاربها ففي وجوب جمعها للتكفير بالعتق وجهان :

أحدهما : يلزمه جمعها والتكفير بالعتق ؛ لأنه قادر عليه في زمان لا ينسب فيه إلى تأخير التكفير فصار كالقادر عليها في الوقت .

والوجه الثاني : وهو أشبه أنه لا يلزمه جمعها للعتق ويجوز أن يكفر بالصوم ؛ لأنه في وقت الوجوب غير قادر على العتق فعلى هذا إن لم يدخل في الصوم حتى جمع فاضل الكسب فبلغ قيمة الرقبة ففيه قولان :

أحدهما : يكفر بالعتق اعتبارا بوقت الأداء .

والقول الثاني : يكفر بالصوم اعتبارا بوقت الوجوب .

فصل : وإن كان له مسكن يزيد على مسكن مثله وخادم يزيد على خادم مثله وثياب تزيد على ثياب مثله نظر في الزيادة فإن لم تبلغ قيمة الرقبة لم يلزمه الاستبدال بذلك، وجاز أن يكفر بالصوم ، وإن بلغت زيادة أثمانها قيمة الرقبة لزمه الاستبدال بها وباع مسكنه أو خادمه أو ثيابه واشترى من أثمانها مسكن مثله وخادم مثله وثياب مثله، وصرف فاضل الأثمان في التكفير بالعتق . والله أعلم .

[ ص: 499 ] مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن أفطر من عذر أو غيره أو صام تطوعا أو من الأيام التي نهى - صلى الله عليه وسلم - عن صيامها استأنفهما متتابعين، وقال في كتاب القديم إن أفطر المريض بنى، واحتج في القاتلة التي عليها صوم شهرين متتابعين إذا حاضت أفطرت فإذا ذهب الحيض بنت ، وكذلك المريض إذا ذهب المرض بنى ( قال ) المزني رحمه الله وسمعت الشافعي منذ دهر يقول : إن أفطر بنى ( قال المزني ) رحمه الله : وإن هذا لشبيه ؛ لأن المرض عذر وضرورة، والحيض عذر وضرورة من قبل الله عز وجل يفطر بهما في شهر رمضان . وبالله التوفيق " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن عليه أن يصوم في الظهار شهرين متتابعين لقول الله تعالى فصيام شهرين متتابعين كذلك في كفارة القتل بالوطء في شهر رمضان فإن أفطر فيهما فعلى ضربين بعذر أو غير عذر .

فإن أفطر بغير عذر انقطع التتابع وبطل به ما تقدم من الصوم، ولزمه أن يستأنف صوم شهرين متتابعين : لأنه أمر بالصوم على صفة، فإذا كان بخلاف الصفة لم يقع موقع الإجزاء ، وكذلك لو صام في تضاعيف الشهرين تطوعا أو عن نذر أو قضاء بطل به التتابع وإن كان صائما ؛ لأن التتابع مستحق لصوم الظهار لا لغيره ، فإذا تخلله غيره زال عنه صفته المستحقة فبطل به التتابع وجرى صومه عن غيره مجرى فطره في حكم صوم الظهار ، وإن اعتد بما نواه من الصيام وكان عليه أن يستأنف صوم شهرين متتابعين : لأن بطلان التتابع قد أفسد ما تقدمه من الصوم، وإن أفطر بعذر فالأعذار ضربان :

أحدهما : ما اختص به في نفسه .

والثاني : ما اختص بالزمان .

فأما ما اختص به في نفسه فالأعذار التي يفطر بها في صومه ستة أعذار :

أحدها : الحيض ، وهذا لاختصاصه بالنساء لا يكون في صوم الظهار لاختصاص صوم الظهار بالرجال دون النساء، ولكنه يكون في صوم كفارة القتل والوطء في صوم رمضان، والصوم في هذه الكفارات الثلاث واحد لاستحقاق التتابع في الشهرين المستحقين فبدأ بالحيض ، لأنه أصل يبنى عليه حكم غيره من الأعذار ، فإذا وجد الحيض في صوم الشهرين المتتابعين بطل به الصوم في زمانه لاستحقاقه الفطر به ومنافاة الصوم له، ولم يبطل به التتابع ولا ما تقدم به من الصوم وجاز البناء بعد انقطاع الحيض على ما تقدم من الصوم لأربعة معان :

أحدهما : لأنه فطر بعذر فخالف حكم الفطر بغير عذر .

[ ص: 500 ] والثاني : أنه سبب وقع بغير اختيار، فخالف حكم الفطر عن اختيار .

والثالث : أن زمانه ينافي الصوم فأشبه الليل وخالف الزمان الذي لا ينافي الصوم .

والرابع : أنها لا تقدر - في الأغلب من عادات النساء - أن تصوم شهرين لا حيض فيهما، فلم تكلف ما لا قدرة لها عليه ، وكذلك فطرها بالنفاس لا يقطع به التتابع وقد كان يقتضي على التعليل الرابع أن يبطل به التتابع ؛ لأنه ليس بغالب، وتقدر على صوم شهرين لا نفاس فيهما وإن لم تقدر على صوم شهرين لا حيض فيهما، لكن حكم النفاس ملحق بالحيض، فأجرى عليه حكمه وإن أخل ببعض علله .

والعذر الثاني : المرض وهو مبني على الحيض فإذا أفطر به في صوم الشهرين ففي بطلان تتابعه قولان :

أحدهما : قاله في القديم واختاره المزني أنه لا يبطل به يجوز البناء تعليلا بمعنيين من الأربعة :

أحدهما : أنه فطر بعذر .

والثاني : أن سببه واقع بغير اختيار .

والقول الثاني : قاله في الجديد أن التتابع قد بطل تعليلا بمعنيين من الأربعة .

أحدهما : إن المرض لا ينافي الصوم بخلاف الحيض ؛ لأن الصوم في المرض مجزئ وفي الحيض غير مجزئ .

والثاني : أنه يمكن في الأغلب صوم شهرين لا مرض فيهما ولا يمكن في الأغلب صوم شهرين لا حيض فيهما .

والعذر الثالث : الفطر بالسفر وهو مبني على الفطر بالمرض .

فإن قيل : إن الفطر بالمرض يقطع التتابع، كان الفطر بالسفر أولى أن يقطع التتابع لوجود علتين ؛ وهما : أنه لا ينافي الصوم، وأنه يمكن في الأغلب خلوه من السفر .

فإن قيل : إن المرض لا يبطل التتابع لعلتين فهل يبطله الفطر بالسفر أم لا ؟ على قولين لاختلاف العلتين :

أحدهما : لا يبطل التتابع تعليلا بأنه فطر بعذر فاستويا .

والقول الثاني : يبطل التتابع تعليلا بأنه سبب وقع باختيار، فخالف المرض الواقع بغير اختيار .

[ ص: 501 ] والعذر الرابع : الفطر بالجنون والإغماء وهو مبني على الفطر بالمرض فإن قيل : إنه لا يبطل التتابع كان الفطر بالجنون والإغماء أولى أن لا يبطل التتابع لوجود علتيه وهما : العذر ووقوع سببه بغير اختيار .

وإن قيل : إن الفطر بالمرض يبطل التتابع بعلتين فهل يبطله الفطر بالجنون والإغماء أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : يبطله تعليلا بإمكان خلوه في الأغلب من صوم الشهرين .

والقول الثاني : لا يبطله تعليلا بأنه ينافي الصوم كالحيض ولا ينافيه المرض بخلاف الحيض فصار المرض موافقا للحيض في علتين ومخالفا له في علتين فلذلك كان على قولين ، والسفر موافق للحيض في علة واحدة ومخالف له في ثلاث علل، فلذلك كان أضعف من المرض والجنون والإغماء موافق للحيض في ثلاث علل ومخالف له في علة واحدة، فلذلك كان أقوى من المرض .

والعذر الخامس : الحامل والمرضع إذا أفطرتا بالحمل والرضاع فهو على ضربين :

أحدهما : أن يكون لخوف على أنفسهما فهو كالفطر بالمرض فيكون بطلان التتابع به على قولين .

والضرب الثاني : أن يكون لخوفهما على أولادهما فإن قيل : فالخوف على النفس يبطل التتابع فهذا أولى لوجود علتين ، وإن قيل : إن الخوف على النفس لا يبطل التتابع لعلتين فهذا على وجهين :

أحدهما : أنه لا يبطل تعليلا بأنه فطر بعذر .

والثاني : يبطل تعليلا بأنه سبب وقع عن اختيار، فصار القول فيه كالقول في السفر .

والعذر السادس : الإكراه وهو ضربان :

أحدهما : أن يكره على الأكل بأن يوجر في حلقه كرها فلا يفطر . وهو على صومه وتتابعه .

والضرب الثاني : أن يكره بالضرب وما يصير به مكرها ليأكل، فيأكل مكرها عليه بالضرب، ففي فطره بذلك قولان من اختلاف قوله في الحالف إذا أكره على الحنث هل يصير حانثا أم لا على قولين :

أحدهما : أنه لا يحنث في يمينه ولا يفطر في صومه فعلى هذا هل يكون على تتابعه أم لا ؟ على قولين لوجود علتين وعدم علتين كالمرض :

[ ص: 502 ] أحدهما : لا يبطل لأنه عذر، ولأن سببه عن غير اختيار .

والقول الثاني : يبطل ؛ لأنه لا ينافي الصوم، ولإمكان خلو الصوم منه .

فأما الأكل ناسيا فلا يفطر ؛ لأن التحرز منه غير ممكن، ولأن وجود مثله في القضاء لا يؤمن، وإذا كان على صومه كان على تتابعه .

فصل : وأما الأعذار المختصة بالزمان فأربعة :

أحدها : شهر رمضان، ويمنع من صوم غيره فيه .

والثاني : يوم الفطر، ويمنع من جميع الصيام فيه .

والثالث : يوم النحر، وهو كيوم الفطر يمنع من جميع الصوم .

والرابع : أيام التشريق الثلاثة، لا يجوز صيامها تطوعا، وفي جواز صومها في كفارة التمتع قولان :

أحدهما : وهو قوله في القديم يجوز لقول الله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج [ البقرة : 196 ] .

والقول الثاني : وهو قوله في الجديد لا يجوز لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - إنها أيام أكل وشرب وبعال فلا تصوموا فإن منع من صومها في المتع منع منها في كل صوم وكانت كيوم الفطر ويوم النحر ، وإن جوز صومها في التمتع ففي جواز صومها في غيره من واجبات الصوم وجهان :

أحدهما : وهو قول جمهور أصحابنا لا يجوز لعموم تحريمها واستثناء التمتع منه .

والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي أن جواز صومها في التمتع موجب لجواز ذلك في كل صوم له سبب ، وإذا كان كذلك فاثنان من هذه الأربعة يختصان بقطع صوم الظهار وهما صوم شهر رمضان وصوم يوم النحر ؛ لأنه ليس يتقدمهما ما يقطع الصوم فصارا قاطعين للصوم ، أما صوم رمضان فلأنه لا يجزئ عن صوم الظهار ؛ لأنه إن نوى صوم الظهار لم يجزه عنه ؛ لأن الزمان يمنع منه ، وإن نوى عن رمضان أجزأه عن رمضان ، لأنه نواه ولم يجز عن الظهار ، وأما يوم النحر فلمنافاته كل الصيام بوجوب الفطر فيه ثم يقطعان التتابع لأنه أدخل ذلك على صومه باختياره لإمكان تقديمه عليهما، فصار كالمفطر بغير عذر . وأما يوم الفطر وأيام التشريق فلا يصح أن ينقطع الصوم بهما ، أما يوم الفطر فيتقدمه شهر رمضان المختص بقطع الصوم، وأما أيام التشريق فيتقدمها يوم النحر المختص بقطع الصوم فلذلك لم يصر هذان الصومان مختصين بقطع صوم الظهار بوجودهما في تضاعيف، ولكن يجوز أن يختصا بمنع ابتداء [ ص: 503 ] صوم الظهار ، فإن صام أول شوال حتى دخل في صومه يوم الفطر لم يعتد به وحده وبنى على ما بعده حتى يستكمل صوم شهرين متتابعين ، وأما أيام التشريق إذا ابتدأ بها في صوم ظهاره فإن قيل بمذهب أبي إسحاق المروزي أنه يجوز صومها فيما له سبب جاز صومها في كفارة الظهار ولم يمنع ابتداء الصيام وجاز له البناء عليها ، وإن قيل : لا يجوز صومها فيما له سبب وما لا سبب له منعت ابتداء الصيام وجاز البناء على ما بعدها حتى يستكمل صوم شهرين متتابعين . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث