الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 58 ] باب كيف اللعان

من كتاب اللعان والطلاق وأحكام القرآن

قال الشافعي - رحمه الله - : " ولما حكى سهل شهود المتلاعنين مع حداثته وحكاه ابن عمر - رضي الله عنهما - استدللنا على أن اللعان لا يكون إلا بمحضر من طائفة من المؤمنين ؛ لأنه لا يحضر أمرا يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستره ولا يحضره إلا وغيره حاضر له ، وكذلك جميع حدود الزنا يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة ؛ لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم ، وهذا يشبه قول الله تعالى في الزانيين : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وفي حكاية من حكى اللعان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاية في كتابه ، فإنما لاعن - صلى الله عليه وسلم - بين المتلاعنين بما حكى الله تعالى في القرآن " .

قال الماوردي : وقد مضى الكلام في تغليظ اللعان بحضور الذين أقلهم أربعة بما قدمناه في الدليل . وكذلك سائر الحدود التي يخفى أثرها بعد الاستيفاء كحد الزنا والقذف ، فلما لم يثبت إلا بأربعة كالزنا ، كان أقل من شهد حده أربعة ، وما يثبت بشاهدين كالقذف ، فالشاهدان أقل من يحضر استيفاءه ، فأما ما يظهر أثره بعد الاستيفاء كالقطع في السرقة ، فليس يؤمر في استيفائه بحضور الشهود ، لأن شواهد استيفائه تغني عن الشهادة . وإن كانت حاضرة أشار إليها ، وهل يحتاج مع الإشارة إلى ذكر الاسم والنسب أم لا ؟ على ثلاثة أوجه :

أحدها : وهو قول أبي العباس بن سريج : أنه يجوز أن يقتصر على الإشارة مع ذكر الزوجية ، ولا يحتاج إلى ذكر الاسم والنسب كالشهادة ، فيقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا ، فيكون مقتصرا على شرطين : الزوجية والإشارة .

والوجه الثاني : أنه يحتاج مع ذكر الزوجية والإشارة إلى شرط ثالث هو الاسم دون النسب فيقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة هذه من الزنا ليتوجه اللعان إلى حاضر مسمى ؛ لأنه لا يحضر معها من يجوز أن تنصرف الإشارة إليه .

[ ص: 59 ] والوجه الثالث : وهو قول أبي حامد المروزي ، وحكاه في جامعه الذي نقل فيه منصوصات الشافعي أنه يحتاج مع ذكر الزوجية والاسم والإشارة إلى شرط رابع وهو النسب فيقول : زوجتي فلانة بنت فلان هذه ؛ لأن اللعان موضوع على التأكيد ونفي الاحتمال ، فإذا تقرر ما يذكره الزوج في الشهادة الأولى من لعانه ، أمره الحاكم أن يكرر ذلك أربع مرات متواليات يعيد في كل مرة منها مثل ما قاله في الأولى ، فإذا أكمل أربعا بقيت الخامسة وهي اللعنة ، فوقفه قبلها ووعظه ، وذكره الله تعالى ، وخوفه من عقابه ، وأعلمه أن الخامسة هي اللعنة الموجبة ، وإني أخاف إن كنت كاذبا أن تبوء بلعنة الله وأليم عقابه ، وأمر رجلا أن يضع يده على فيه حتى لا يسرع إليها ، فإن رآه يريد أن يمضي في لعانه لا يرجع عنه ، قال له : قل وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا ، فإذا قالها فقد أكمل بها جميع لعانه ما لم يكن نسبا يريد نفيه .

فإن كان نسبا يريد نفيه قال في كل واحدة من الشهادات الأربع واللعنة الخامسة : وأن هذا الولد ، وأشار إليه إن كان حاضرا من زنا وما هو مني .

وإن كانت ذات حمل قال : وأن حملها لحمل من زنا ما هو مني ، فتضمن نفي النسب في لعانه شرطين :

أحدهما : إضافته إلى الزنا .

والثاني : نفيه عنه ، ولا يجوز أن يضيفه إلى الزاني إن كان قد سماه في لعانه على ما سنذكره فيمن يسمى في القذف ؛ لأن ولد الزنا لا يلحق بالزاني ، فلم يجز أن يضاف إليه .

فصل : فإذا فرغ من لعان الزوج على ما وصفناه أجلسه وأقام الزوجة في مقامه وقال لها : قولي أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ، وهل يحتاج - مع ذكر الزوجية والإشارة - إلى ذكر الاسم والنسب أم لا ؟ على ما ذكرناه من الأوجه الثلاثة .

إلا أن يكون غائبا فلا بد من ذكر اسمه ونسبه بما يتميز به عن غيره ولا يشاركه فيه أحد ، فإن كان الزوج قد نفى بلعانه نسبا فهل تؤمر بذكره في لعانها أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : وهو قول البغداديين أنها لا تذكره في لعانها ؛ لأنه لا يتعلق بذكره في لعانها حكم .

والوجه الثاني : وهو قول البصريين تذكره في لعانها لتقابل الزوج على مثل لعانه في نفي ما أثبت من الزنا وإثبات ما نفى من النسب ؛ لأن الزوج يقول : أشهد بالله أني [ ص: 60 ] لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ، وأن هذا الولد من زنا ما هو مني ، فأثبت الزنا ونفى النسب ، وهي تقول : أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من هذا الزنا ، وأن هذا الولد منه ما هو من زنا ، فنفت الزنا وأثبتت الولد ، فإذا قالت ذلك في الشهادة الأولى ، أمرها أن تعيد ذلك أربع مرات ، فإذا أكملت الرابعة وقفها ووعظها بمثل ما وعظ به الزوج ، وأمر رجلا من ذوي محارمها أن يضع يده على فمها في الخامسة لترجع عنها ولا تسرع إليها ، فإن لم يكن لها ذو محرم أمر امرأة بذلك ، فإن رآها تريد إتمامه ، قال لها في الخامسة : قولي وعلي غضب الله إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا ، وأن هذا الولد ليس من زنا ؛ فإذا قالت الخامسة فقد أكملت لعانها وأسقطت به ما وجب عليها من حد الزنا بلعان الزوج ، ولم يتعلق به سوى سقوط الحد عنها عندنا ، وإن جعله مالك وأبو حنيفة شرطا في وقوع الفرقة على ما قدمنا من الخلاف معهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث