الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب الوتر والنوافل ) .

لا خفاء في حسن تأخيرهما عن الفرائض والوتر في اللغة خلاف الشفع وأوتر صلى الوتر كذا في المغرب وهو في الشرع صلاة مخصوصة وهي ثلاثة ركعات بعد العشاء والنفل في اللغة الزيادة وفي الشريعة زيادة عبادة شرعت لنا لا علينا ووجوه اشتقاقه يدل على الزيادة ولهذا يسمى ولد الولد نافلة لأنه زيادة على الولد الصلبي وتسمى الغنيمة نفلا لأنها زيادة على أصل المال ( قوله الوتر واجب ) وهذا آخر أقوال أبي حنيفة وهو الصحيح كذا في المحيط والأصح كما في الخانية وهو الظاهر من مذهبه كذا في المبسوط وروي عنه أنه فرض وعنه أنه سنة ووفق المشايخ بينهما بأنه فرض عملا واجب اعتقادا سنة ثبوتا ودليلا وأما عندهما فسنة عملا واعتقادا ودليلا لكن سنة مؤكدة آكد من سائر السنن المؤقتة كما في البدائع لظهور أثر السنن فيه حيث لا يؤذن له ولم يثبت عندهما دليل الوجوب فنفياه وأما استدلاله في الهداية لهما بأنه لا يكفر جاحده لا يفيد إذ إثبات اللازم لا يستلزم إثبات الملزوم المعين إلا إذا ساواه وهو هنا أعم فإن عدم الإكفار بالجحد لازم الوجوب كما هو لازم السنة والمدعي الوجوب لا الفرض وأما الإمام فثبت عنده دليل الوجوب وهو الحديث وأحسن ما يعين منه ما رواه أبو داود مرفوعا { الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني } رواه الحاكم وصححه

وما رواه مسلم مرفوعا { أوتروا قبل أن تصبحوا } والأمر للوجوب وأما ما في الصحيحين من { أنه عليه السلام أوتر على بعيره } فواقعة حال لا عموم لها فيجوز كونه كان للعذر والاتفاق على أن الفرض يصلى على الدابة لعذر الطين والمرض ونحوه أو أنه كان قبل وجوبه لأن وجوبه لم يقارن وجوب الخمس بل متأخر وقد روي أنه { عليه السلام كان ينزل للوتر } وأما { حديث الأعرابي حين قال له هل علي غيرها أي الصلوات الخمس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تطوع } فلا يدل على عدم وجوب الوتر كما زعمه النووي في شرح مسلم لأنه كان في أول الإسلام ثم وجب الوتر بعده بدليل أنه سأله عن العبادة المالية فأخبره بالزكاة فقال هل علي غيرها فقال لا كما ذكر في الصلاة مع أن صدقة الفطر فرض عندهم بدليله فما هو جوابهم عنها فهو جوابنا عنه ولا يلزم من القول بوجوبه الزيادة على الفرائض الخمس القطعية لأنه ليس بفرض قطعي وذكر في البدائع حكاية هي أن يوسف بن خالد السمتي كان من أعيان فقهاء البصرة فسأل أبا حنيفة عنه فقال إنه واجب [ ص: 41 ] فقال له كفرت يا أبا حنيفة ظنا منه أنه يقول أنه فريضة فقال أبو حنيفة أيهولني إكفارك إياي وأنا أعرف الفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والأرض ثم بين له الفرق بينهما فاعتذر إليه وجلس عنده للتعلم ا هـ .

وفي المحيط لا يجوز الوتر قاعدا مع القدرة على القيام ولا على راحلته من غير عذر لأن عنده الوتر واجب وأداء الواجبات والفرائض على الراحلة من غير عذر لا يجوز وعندهما وإن كان سنة لكن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه كان يتنفل على راحلته من غير عذر في الليل وإذا بلغ الوتر نزل فيوتر على الأرض } ا هـ .

فأفاد أنه لا يجوز قاعدا وراكبا من غير عذر باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه وصرح في الهداية بأنه يجب قضاؤه إذا فاته بالإجماع وصححه في التجنيس وعلل له في المحيط بقوله أما عنده فلأنه واجب وأما عندهما فلقوله عليه السلام { من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره } ا هـ .

وصرح في الكافي بأن وجوب قضائه ظاهر الرواية عنهما وروي عنهما عدمه وسيأتي أنه لا يصلى خلف النفل اتفاقا فظهر بهذا أنه لا فرق بين قوله بوجوبه وبين قولهما بسنيته من جهة الأحكام فإن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب إلا في فساد الصبح بتذكره وفي قضائه بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس قال في التجنيس عند أبي حنيفة يقضيه بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس وبعد صلاة العصر لأنه واجب عنده فيجوز قضاؤه فيه كقضاء سائر الفرائض وعندهما لا لأنه سنة عندهما ا هـ .

لكن تعقب صاحب الهداية في فتح القدير بأنه سنة عندهما فوجوب القضاء محل النزاع وقد علمت دفعه بما في المحيط وفي الظهيرية والولوالجية والتجنيس وغيرهما أهل قرية اجتمعوا على ترك الوتر أدبهم الإمام وحبسهم فإن لم يمتنعوا قاتلهم وإن امتنعوا عن أداء السنن فجواب أئمة بخارى بأن الإمام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفرائض لما روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال لو أن أهل بلدة أنكروا سنة السواك لقاتلتهم كما نقاتل المرتدين ا هـ .

وفي العمدة اجتمع قوم على ترك الأذان يؤدبهم الإمام وعلى ترك السنن يقاتلهم زاد في الخلاصة بأن هذا إذا تركها جفاء لكن رآها حقا فإن لم يرها حقا يكفر وذكر في التحقيق لصاحب الكشف أن الواجب نوعان واجب في قوة الفرض في العمل كالوتر عند أبي حنيفة حتى منع تذكره صحة الفجر كتذكر العشاء وواجب دون الفرض في العمل فوق السنة كتعيين الفاتحة حتى وجب سجود السهو بتركه ولكن لا تفسد الصلاة ا هـ .

وفي البدائع أن وجوبه لا يختص بالبعض دون البعض بل يعم الناس أجمع من الحر والعبد والذكر والأنثى إن كان أهلا للوجوب لعموم الدلائل .

التالي السابق


( باب الوتر والنوافل ) .

[ ص: 41 ] ( قوله فظهر بهذا إلخ ) قال الرملي أقول : بخط شيخ شيخنا علي المقدسي كيف يكون ذلك وقد صرحوا في المتون بالفرق وفرعوا على كل قول أحكاما للآخر كفساد الفجر بتذكره وفساده بتذكر فرض قبله ا هـ .

قلت وهو عجيب ونقل العلامة الرملي له أعجب وكأن منشأه الغفلة عن قول المؤلف إلا في فساد الصبح إلخ ( قوله إلا في فساد الصبح بتذكره إلخ ) أي وإلا في عدم إعادته لو ظهر فساد العشاء دونه عنده لا عندهما قال في المنظومة

والوتر فرض ويرى بذكره في فجره فساد فرض فجره     ولا يعاد الوتر إذ يعاد
عشاؤه إن ظهر الفساد

ا هـ .

وإلا في فساده بتذكر فرض قبله ( قوله لكن تعقب إلخ ) عبارة الفتح قوله ولهذا وجب القضاء بالإجماع أي ثبت وإلا فوجوب القضاء محل النزاع أيضا والمعنى أنه صلاة مقضية مؤقتة فتجب كالمغرب ا هـ .

وكان الحامل له على تأويل وجب بثبت أن إيجاب القضاء بدون إيجاب الأداء مما لم يعهد كما قاله في النهر متعقبا لما مر عن المحيط ولما أجاب به بعضهم عن الهداية أن المراد إجماع الأصحاب على ظاهر الرواية عنهم ونقل جوابا آخر أن المراد إجماع الصحابة لقول الطحاوي إن وجوبه ثبت بإجماعهم وإلى هذا يشير قول الفتح إن وجب بمعنى ثبت قال وهذا الجواب اختاره كثير من الشارحين ولا يخفى أن فيه عدولا عن الظاهر ا هـ .

وفي شرح الشيخ إسماعيل والتحقيق ما في الفتح لما يلزم على ما ذكره في البحر من تفريق الأحكام ولهذا قال في المحيط وما ذكر في الجواب في ظاهر الرواية ظاهر على مذهب أبي حنيفة . رحمه الله تعالى



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث