الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 238 ] باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره

قال الشافعي : رحمه الله تعالى : وإذا صلى الجنب بقوم أعاد ولم يعيدوا ، واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب والعباس . " قال المزني " : يقول : كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد علي فساد إمامي ، ولو كان معناي في إفساده معناه لما جاز أن يحدث فينصرف ، وأبني ولا أنصرف ، وقد بطلت إمامته واتباعي له ، ولم تبطل صلاتي ولا طهارتي بانتقاض طهره " .

قال الماوردي : وصورتها : في إمام صلى بقوم ثم علم بعد فراغه من الصلاة أنه جنب فعليه الإعادة وحده ، فأما المأمومون فلا إعادة عليهم إذا لم يعلموا بحاله قبل صلاتهم .

وقال أبو حنيفة : عليهم الإعادة بكل حال كالإمام ، وكذلك لو أحدث الإمام في تضاعيف صلاته بطلت صلاته ، وصلاة المأمومين معه ، وغلظ عليه فألزمه حدث الإمام في الصلاة .

وقال مالك : إن عمد الإمام أن يصلي بهم جنبا فعليهم الإعادة ، وإن صلى بهم ناسيا فصلاتهم جائزة ، وعلى الإمام الإعادة ، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " الأئمة ضمناء " .

والضمان يقتضي أن يكون للحق المضمون تعلقا بالضامن ، والضامن تعلقا بالحق المضمون وبقوله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا فجعل صلاتهم تابعة لصلاة الإمام ، فعلم أنها متعلقة بها . قالوا : ولأنه صلى خلفه من لو كان عالما بحاله لم تصح صلاته فوجب إذا كان جاهلا بحاله أن لا تصح صلاته قياسا عليه إذا صلى خلف امرأة ، وهذا خطأ ، ودليلنا رواية الحسن ، عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الصبح ، وأومأ إلى القوم أن مكانكم ، ثم جاء ورأسه يقطر ماء ، وصلى بهم .

وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ، وذكر أنه جنب ، فقال للقوم : امكثوا . ثم رجع ، واغتسل ، وجاء رأسه يقطر ماء .

فوجه الاستدلال فيهما من وجهين :

أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني .

والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم أشار إليهم بالوقوف ، ولو كان ذلك قبل إحرامهم لأمرهم بالقعود ، فدل أمره صلى الله عليه وسلم بالوقوف على تقديم إحرامهم ، فإن قيل : فقد روى جابر البياضي ، عن سعيد بن [ ص: 239 ] المسيب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بقوم وهو جنب فأعاد وأعادوا قيل : هذا متروك ، وجابر البياضي متروك الحديث بإجماع أهل الحديث ، على أن الإعادة محمولة على الاستحباب ، لأنا نقلنا صحة صلاة المأمومين مع بطلان صلاة الإمام .

وروى جويبر ، عن الضحاك ، عن البراء بن عازب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيما إمام سها فصلى بقوم وهو جنب ، فإن صلاة القوم ماضية وليغتسل هو ويعيد صلاته وهذا نص في موضع الخلاف .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الإمام : إن أتم فله ولكم ، وإن أساء فعليه دونكم فكان على عمومه في كل حال .

وروى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ، فلما فرغ من صلاته نظر إلى كسائه ، وفيه شيء من دم فبعث به إلى عائشة ، رضي الله عنها ، وأمر بغسله وأعاد الصلاة ، ولم يأمرهم بالإعادة .

وروى كثير بن الصلت قال : صليت مع عمر رضي الله عنه صلاة الصبح ، فلما فرغ أخذ بيدي فخرجنا نحو الصحراء ، فلما صار في بعض الطريق نظر إلى ثوبه ، وفيه شيء من مني ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إنا أكلنا ودكا ، فلانت مفاصلنا ، فأجنبنا ، ثم غسله ، ورجع فأعاد الصلاة وحده ، ولم يعيدوا ، وفي الخبر : أنه هم بعضهم بالإعادة فمنعه .

وروي نحوه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أنه صلى بالناس فرأى في ثوبه أثر الاحتلام ، فقال : " أراني قد كبرت ، أحتلم ولا أعلم . فأعاد ولم يأمرهم بالإعادة ، وليس لهما في الصحابة مخالف فدل على أنه إجماع ، ولأن كل من بطلت صلاته لمعنى انفرد به وجب أن لا تبطل صلاة غيره ببطلان صلاته ، أصله إذا كان المأموم جنبا لم تبطل صلاة الإمام ، ولأنه لو كان بطلان صلاة الإمام بالحدث يوجب بطلان صلاة المأموم لوجب إذا طرأ عليه الحدث في تضاعيف صلاته فأبطلها أن تبطل صلاة المأموم لبطلان صلاة الإمام بالحدث ، وفي إجماعه على صحة صلاة المأموم ، وإن بطلان صلاة الإمام بالحدث الطارئ دليل على بطلان صلاته بالحدث المتقدم لا يبطل صلاة المأموم .

وتحريره قياسا : أن بطلان طهارة الإمام لا توجب فساد صلاة المأموم إذا لم يعلم بحدثه عند متابعته كمن سبقه الحدث ، ولأن كل من عمل على طهر بقوله لم يبطل حكم الطهر برجوعه ، كالمرأة إذا تزوجت بعد انقضاء عدتها ، ثم رجعت .

فأما احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم : الأئمة ضمناء فالمراد به ضمان الإمامة لا ضمان الائتمام ، ألا تراه قال صلى الله عليه وسلم في الخبر " فإن أتم فله ولكم ، وإن نقص فعليه دونكم " فكان هذا الخبر دلالة له عليهم لا لهم .

[ ص: 240 ] وأما تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " ، فالمراد ما ظهر من أفعاله دون طهارته لتعذر معرفتها على أنه قد أبان ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا " .

وأما قياسهم على المرأة فلا يصح ، لأنه قد كلف معرفة حال الإمام في كونه رجلا ، أو امرأة لقدرته على معرفة ذلك بظاهر الزي والهيئة ، ولم يكلف معرفة طهارة إمامه لتعذر معرفتها ، وعدم إمارة تدل عليها ، ألا ترى أن الحاكم لو حكم بشهادة نفسين ، ثم بان له أنهما فاسقان بعد القضاء لم ينقض حكمه ، ولو بان أنهما امرأتان نقض حكمه ، وإذا فرق مالك بين عمد الإمام ونسيانه فغلط ، لأن ما نقض الطهر فحكم العمد والسهو فيه سواء .

فإذا تقرر أن الإعادة على المأمومين ، وإن كان إمامهم محدثا فبان حدث الإمام في صلاة الجمعة ، فإن كانوا أربعين مع إمامهم لم تصح الجمعة لنقصان عددهم ، ولهم البناء على الظهر ، وإن كانوا أربعين سوى الإمام فعلى وجهين :

أحدهما : لا تصح لأنه لما جاز أن تصح لهم صلاة الجمعة ، وأن تصح لإمامهم جاز أن تصح لهم الجمعة ويبنون على الظهر ، لأن انعقاد الجمعة بالإمام فإذا لم تصح الجمعة له لم تصح لهم .

والوجه الثاني : تصح لهم الجمعة لأنه لما جاز أن تصح لهم صلاة الجمعة ، وإن تصح لإمامهم جاز أن تصح لهم الجمعة وإن لم تصح لإمامهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث