الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في أحكام الشهادة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 382 - 385 ] ( باب ) [ ص: 386 - 387 ]

العدل : حر ، [ ص: 388 - 389 ] مسلم ، عاقل ، بالغ . بلا فسق وحجر [ ص: 390 ] وبدعة ، وإن تأول : كخارجي ، وقدري [ ص: 391 - 392 ] لم يباشر كبيرة ، أو كثير كذب ، [ ص: 393 ] أو صغيرة خسة وسفاهة ، ولعب نرد ، ذو مروءة [ ص: 394 ] بترك غير لائق . من حمام ، [ ص: 395 ] وسماع غناء ، ودباغة ، وحياكة اختيارا ، وإدامة شطرنج

[ ص: 385 ]

التالي السابق


[ ص: 385 ] باب

في أحكام الشهادة وهي لغة البيان والشاهد المبين ، وكذا الشهيد ، وفسر قوله تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو } يبين ويعلم . ابن عبد السلام لا تعرف اصطلاحا لأنها معلومة . ابن عرفة القرافي أقمت نحو ثمان سنين أطلب الفرق بينها وبين الرواية وأسأل الفضلاء عنه وتحقيق ماهية كل منهما فيقولون يشترط في الشهادة التعدد والذكورية والحرية ، بخلاف الرواية فأقول لهم هذا فرع تصورها وتميزها عن الرواية وتعريفها بأحكامها التي لا تعرف إلا بعد معرفتها دور ، وإذا وقعت حادثة غير منصوصة من أين لنا أنها شهادة شرطها التعدد إلخ أو رواية ليس شرطها ذلك وبنوا الخلاف في قبول خبر الواحد برؤية هلال رمضان على كونه رواية أو شهادة ، وفي قبوله بعدد ما صلى إمامه على ذلك ، وهذا يتوقف على تصورهما ومعرفة الفرق بينهما ، ولم أزل في شدة قلق حتى طالعت شرح البرهان للمازري رحمه الله تعالى فوجدته حقق المسألة وميز الشهادة من الرواية ، فقال هما خبران ، غير أن المخبر عنه إن كان عاما لا يختص بمعين فهي الرواية ، كقوله صلى الله عليه وسلم { الأعمال بالنية والشفعة فيما لا ينقسم } فإنهما عامان لا يختصان بمعين في الأعصار والأمصار ، بخلاف قول العدل عند الحاكم لهذا عند هذا دينار مثلا ، فإنه لزام المعين لا يتعداه ، فهذه شهادة . ثم قال ينتقض هذا الفرق بأن الشهادة قد تتعلق بكلي ، كشهادة بوقف مؤبد على الفقراء وكون الأرض عنوة أو صلحا ، وبأن الرواية قد تتعلق بجزئي كإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهجرته ووفاته وخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ثم أجاب عن الأول بأن عمومها عارض ، ومقصودها الأول إنما هو جزئي ، فالمقصود بالشهادة بالوقف إنما هو الواقف لينزع منه الموقوف .

[ ص: 386 ] وأما كون الأرض عنوة أو صلحا فلم أر فيه نصا لأصحابنا ، و يمكن أنه من باب الخبر والرواية لعدم الاختصاص في المحكوم عليه ، ويمكن كونه من باب الشهادة لتعين المحكوم فيه وهو الأرض . وأما النقض على الرواية فإن المذكورات وإن تعلقت بجزئيات ابتداء لكن ثمراتها وفوائدها عامة للعالمين أجمعين ، هذا حاصل كلامه وواضح أن قوله أقمت أطلب الفرق وأسأل الفضلاء إلخ نص في منافاته قول ابن عبد السلام لا حاجة لتعريف الشهادة ، والحق قول القرافي إنه محتاج لتعريفها ، وتعقب بعض شيوخنا قول القرافي أقمت مدة كذا أطلب الفرق بينهما إلخ بأنه مذكور في أيسر الكتب المتداولة بين مبتدئي الطلبة وهو تنبيه . ابن بشير قال في كتاب الصيام لما كان القياس عند المتأخرين رد ثبوت الهلال لباب الإخبار إذا رأوا أن الفرق بين باب الخبر وباب الشهادة أن كل ما خص المشهود عليه فبابه باب الشهادة ، وكل ما عم فلزم القائل منه ما لزم المقول له ، فبابه باب الإخبار جعلوا في المذهب قوله بقبول خبر الواحد في الهلال ، ولا تجده إلا في النقل عما ثبت عند الإمام ، ثم قال ابن عرفة والصواب أن الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده أو حلف طالبه فتخرج الرواية والخبر القسيم للشهادة وإخبار القاضي بما ثبت عنده قاضيا آخر يجب عليه الحكم بمقتضى ما كتب به إليه لعدم شرطه بالتعدد أو الحلف ، وتدخل الشهادة قبل الأداء وغير التامة ; لأن الحيثية لا توجب حصول مدلول ما أضيفت إليه بالفعل حسبما ذكروه في تعريف الدلالة . ا هـ . وقال قول وهو جنس بعيد لإدخال الشهادة قبل الأداء ، إذ هي قول لا خبر ; لأنها من كلام النفس يطلق عليه القول لغة وعرفا ، وفيه دور ; لأن الحكم بافتقاره للتعدد فرع تصور كونه شهادة ، وقوله إن عدل قائله أراد به إن ثبتت عدالته عند القاضي ببينة أو بعلمه ولو قال قول عدل لكان أبين أفاده شب . ابن مرزوق تعريفه غير جامع ، إذ لا يشمل الشهادة بالخلطة [ ص: 387 ] لثبوتها بامرأة وبالطلاق والعتق ونحوهما ، فإن شهادة الواحد فيها توجب يمين المشهود عليه .

( العدل ) بفتح العين وسكون الدال ( حر ) بضم الحاء لا قن اتفاقا ولا ذو شائبة كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل . يحيى سألت ابن القاسم عن المعروف بظلم الناس والتعدي عليهم في أموالهم من ذوي السلطنة والولاة يدعي رجل عليه أنه ظلمه في أرض غلبه عليها أو غيرها من الأموال ولا يجد على دعواه عدولا من البينات ، ويجد شهودا لا يعرفون بعدالة ولا يوصفون بسخطة أيقبل مثل هؤلاء عليه أو لا يقبل عليه إلا مثل ما يقبل على غيره من عدول الشهداء ؟ فقال لا تجوز شهادة غير العدول على أحد من الناس كان المشهود عليه ظالما أو غيره ، قال الله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } ، فلا ينبغي لغير العدول أن تجوز شهادتهم على أحد من الناس . ابن رشد هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه في المذهب أن الشاهد المجهول الحال لا تجوز شهادته حتى يعدل لقول الله عز وجل { ممن ترضون من الشهداء } ، أي من عرفت عدالته غير أن ابن حبيب أجاز شهادة المجهول الحال على التوسم فيما يقع بين المسافرين في السفر للضرورة إليها قياسا على شهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح ومراعاة للاختلاف ، إذ من أهل العلم من حمل الشاهد على العدالة حتى تعرف جرحته لظاهر قول عمر رضي الله تعالى عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه زور ، وهو قول الحسن ومذهب الليث بن سعد ، وقد اتفقوا في الحدود والقصاص على أن الشهادة فيها لا تجوز إلا بعد معرفة عدالة الشاهد . ومن أصحابنا المتأخرين من أجاز شهادة الشاهد المجهول الحال في يسير المال وهو استحسان على غير قياس ، لقول الله عز وجل { ممن ترضون من [ ص: 388 ] الشهداء } . وقول عمر رضي الله تعالى عنه والذي نفسي بيده لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول ا هـ

. وفي الذخيرة نص في النوادر على أنه إذا لم يوجد في جهة إلا غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورا للشهادة ، ويلزم مثله في القضاء وغيره لئلا تضيع المصالح . قال ولا أظن أحدا يخالفه في هذا ، فإن شرط التكليف الإمكان . ا هـ . ونحوه لابن راشد في مذهبه وابن عبد الغفور في الاستغناء ، قال إذا كان البلد لا عدول فيه فإنه يكتفى بالأمثل فالأمثل ، ويستكثر بحسب خطر الحقوق . وظاهر كلام النوادر أنه لا يزاد على النصاب .

وقال ابن الفرس في أحكام القرآن إذا كانت قرية لا عدول فيها وبعدوا عن العدول فهل تجوز شهادة بعضهم لبعض في الأموال أم لا ؟ والذي عليه جمهور المذهب ولم يعلم للمتقدمين منهم خلافه أن شهادتهم لا تجوز وهو ظاهر قول ابن حبيب في واضحته ، ونقله الباجي ، ورأيت قوما من المتأخرين يحكون عن أشياخهم بأنهم أفتوا بجواز الشهادة ممن ذكرنا ويعلمونها للضرورة ، وبما ذكرنا تعلم أن قول المازري في درره روي عن سحنون تجوز الشهادة على السارق ممن لقيه من الناس السيارة على الطريق من المسافرين والنساء والصبيان والرعاء إذا عرفوه وقالوا رأينا فلانا سرق دابة فلان أو رأينا فلانا في حوزة كذا أو في مراعي بني فلان ، وتجوز عليه شهادة السيارة سواء كانوا عدولا أو غير عدول وأكثر ما يكون هذا في البرابر ، وليس قول من قال لا تجوز عليهم إلا شهادة العدول بشيء عندنا . وقد سئل الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عن مثل هذا في لصوص أهل الحجاز وبرابر برقة ، فقال تجوز عليهم شهادة من لقيهم من الناس قيل له إنهم غير عدول ، قال وأين توجد العدول على السارق واللص ، وإنما يقصد اللص والسارق مواضع الخلوات التي ليس فيها العدول ، وقاله محمد بن سحنون ومثله في أسئلة ابن سحنون كل ذلك خلاف المذهب ولا ثبوت لشيء منه فيه ، فلا يجوز الاعتماد عليه في الفتوى ، إذ لو [ ص: 389 ] كان ثابتا ما خفي على ابن رشد وابن أبي زيد وغيرهما من حفاظ المذهب ولذكره الأئمة في كتبهم والله أعلم

. ( مسلم ) لا كافر على مسلم إجماعا ولا على مثله عندنا خلافا لأبي حنيفة والشعبي والشافعي رضي الله تعالى عنهم ، وتعقب ابن مرزوق حكاية الإجماع على عدم صحة شهادة الكافر على مسلم بأن من الأئمة من قال بجوازها على وصية مسلم في السفر للضرورة ، عزاه ابن سهل لشريح وابن المسيب وسعيد بن جبير وعبيدة وابن سيرين وغيرهم ( عاقل ) في حالتي التحمل والأداء . ابن عرفة المازري شرط العقل واضح ; لأن المجنون لا يعقل ما يقول ولا يضبطه ومن هو كذلك لا يلتفت إلى قوله . ابن عبد السلام لا يختلف في اعتبار العقل في حالتي التحمل والأداء ولا يضر ذهاب العقل في غير هاتين الحالتين ، ونص عليه عبد الملك . ابن عرفة هذا مقتضى المذهب ولم أعرفه لعبد الملك ، بل نقل الشيخ عن المجموعة . ابن وهب عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنهما في كبير يخنق ثم يفيق إن كان يفيق إفاقة يعقلها جازت شهادته وبيعه وابتياعه .

( بالغ ) فلا يقبل شهادة الصبي اتفاقا إلا لصبي على صبي في دم . بشروط تأتي إن شاء الله تعالى ( بلا فسق ) بجارحة ظاهرة ; لأنه سيذكر فسق الاعتقاد ( و ) بلا ( حجر ) عليه في التصرف في المال فلا تقبل شهادة محجور عليه فيه وإن رشد . محمد هذا أحب إلي . شب هذا ضعيف والمعتمد الذي قاله الإمام مالك وجميع أصحابه رضي الله تعالى عنهم أن المولى عليه لسفهه تقبل شهادته ، وتأمله مع قول ابن عرفة .

وفي شرط عدم الولاية في المال خلاف سمع أشهب أتجوز شهادة المولى عليه وهو عدل ؟ قال نعم . ابن رشد روى محمد بن عبد الحكم مثله في الموازية وهو قياس المعلوم من قول ابن القاسم من لغو الولاية على اليتيم البالغ في جواز أفعاله وردها ، والآتي على مشهور المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه من أن المولى عليه لا تنفذ أفعاله وإن كان رشيدا في أحواله : أن لا تجوز شهادته وإن كان مثله لو طلب ماله أخذه وهو نص أشهب في المجموعة . [ ص: 390 ] وفي التوضيح عن ابن عبد السلام أن الثاني هو ظاهر كتاب الشهادات منها ، فقد ظهر أن الخلاف في شهادته مبني على الخلاف في اعتبار حاله أو الولاية عليه ، وتقدم في الحجر أن الذي به العمل قديما وحديثا قول ابن القاسم باعتبار حاله ، فانظر هل يجري ذلك هنا ؟ . وفي شرح ابن الناظم على التحفة ما يفيد هذا ، فعبارة المصنف على قول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أن المانع الحجر ، والله أعلم .

( و ) بلا ( بدعة ) أي اعتقاد مخالف لاعتقاد أهل السنة فلا تقبل شهادة مبتدع ; لأنه إما فاسق وإما كافر إن لم يتأول ، بل ( وإن تأول ) بفتحات مهموزا مثقلا ( كخارجي ) أي منسوب للخوارج وهم قوم خرجوا على علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما وكفروهما معاوية لخروجه على علي وعلي لرضاه بتحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم وقاتلهم علي رضي الله تعالى عنه وقتل منهم جما غفيرا ( وقدري ) بفتح القاف والدال وشد الياء نسبة للقدر ، أي إيجاد الأشياء بحسب عملها في الأزل لنفيهم إياه وقوله بخلق العبد أفعاله الاختيارية ابن الحاجب لا يعذر بجهل ولا تأويل ، كالقدري والخارجي . ابن عبد السلام يحتمل كون القدري مثالا للجاهل ; لأن أكثر شبههم عقلية ، والخطأ فيها يسمى جهلا ، والخارجي مثال للمتأول ; لأن أكثر شبههم سمعية والخطأ فيها يسمى تأويلا ، ويحتمل أن مراده بالجاهل المقلد من الفريقين وبالمتأول المجتهد منهما ، ولم يعذروا بالتأويل لتأديته إلى كفر أو فسق ، بخلاف تأويل المحاربين .

( تنبيهان ) الأول : الحطاب المصنف رحمه الله تعالى هذه شروطا في العدل ، وهو خلاف ما قاله أهل المذهب ، فإنهم جعلوها شروطا في قول الشهادة ، ومنها العدالة وهو أبين ، فإن العبد يوصف بالعدالة . ابن عرفة لما كانت الشهادة موجبة لحكم الحاكم اشترط فيها شروط منها في أدائها الإسلام اتفاقا ، ثم قال ومنها الحرية والعقل ، ثم قال والبلوغ ، ثم قال [ ص: 391 ] والعدالة ، قال ولما كانت شروطا في الشهادة والرواية تكلم عليها الفقهاء والأصوليون وابن الحاجب في أصليه وفقهه . طفى إن قلت جعل عياض وابن شاس وابن الحاجب وغيرهم من أهل المذهب هذه الشروط في الشاهد ، وجعلوا منها كونه عدلا ، ثم فسروا العدالة بالمحافظة الدينية على اجتناب الكبائر والكذب وتوقي الصغائر إلى آخر ما ذكروا ، فخالف المصنف اصطلاح أهل المذهب . ونص ابن الحاجب وشرطها أن يكون حرا مسلما عاقلا بالغا مستعملا لمروءته . قلت لا مخالفة ; لأن المصنف أخذ العدل بمعنى عدل الشهادة وهو مراد أهل المذهب ، حيث أطلقوه ولا شك أنه من توفرت فيه هذه الشروط التي ذكروها ، فأل فيه للعهد ، وأخذه غيره بمعنى المحافظ على الأمور المذكورة محافظة دينية ، فشمل هذا المعنى العبد ، فلذا احتاجوا لذكر الحرية مع العدالة وما سلكه المصنف أحسن ; لأنه أمس بالمقام ، فقول " ح " متوركا على المصنف إن ما ذكروه أبين ، فإن العبد يوصف بالعدالة غير بين .

الثاني : ابن عرفة أطال المازري الكلام في العدالة ، والأولى أنها صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفا ومعصية غير قليل الصغائر ، فالصغائر الخسيسة مندرجة فيما يشين ونادر الكذب في غير عظيم مفسدة عفو مندرج في قليل الصغائر ، بدليل قولها في آخر شهاداتها مما يجرح به أنه كذاب في غير شيء واحد ، وأطول منه قول ابن الحاجب في الفقهي العدالة المحافظة الدينية على اجتناب الكذب والكبائر ، وتوقي الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة ليس معها بدعة ، ويتعقب بحشو الدينية لاستقلاله دونها ، وإجمال قوله وتوقي الصغائر لاحتماله جميعها أو أكثرها . ابن عبد السلام الضمير في قوله ليس معها بدعة راجع للعدالة ، وظاهره أن السلامة من البدعة أمر زائد على العدالة ، لكن تعليله اشتراط هذه المعية بقوله فإنها فسق يوجب كونها معتادة فيستغنى بذكر العدالة عنها كما استغني بذكرها عن سائر أضدادها ، وقد يجاب بأن هذا النوع من أضدادها كثر النزاع فيه . ا هـ . ويجاب بأن قوله الدينية احترز به من المحافظة المذكورة إذا لم يكن القصد بها الدين ، وإنما فعلها لتحصيل منصب دنيوي . وقال . [ ص: 392 ] ابن محرز في تبصرته قال أبو بكر الأبهري في صفة من تقبل شهادته هو المجتنب الكبائر المتوقي لأكثر الصغائر إذا كان ذا مروءة وتمييز متيقظا متوسط الحال بين البغض والمحبة . قلت وقد أتت هذه الصفة على جميع ما ينبغي في الشاهد العدل ا هـ .

الثالث : عب هذه الشروط لا يشترط منها حال الأداء والتحمل إلا العقل ، وبقيتها إنما يشترط حال الأداء . البناني هذا التفصيل في غير شهود النكاح والشهود على الخط . وأما في النكاح والخط فلا بد من وجود الشروط كلها وقت الأداء ووقت التحمل قاله المسناوي ، وهو ظاهر .

( لم يباشر ) أي يفعل العدل معصية ( كبيرة ) بلا توبة منها بأن لم يفعلها أصلا أو تاب منها ، فإن فعلها ولم يتب منها فلا تقبل شهادته ، فلا يشترط في العدل عدم مباشرة المعصية مطلقا لتعذره إلا من ولي أو صديق ، ولكن من كانت طاعته أكثر أحواله وأغلبها واجتنب الكبائر وحافظ على ترك الصغائر فهو عدل . تت تكميل مذهب الجمهور انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر ، واختلف في تمييز الكبائر منها فمنهم من ميزها بالعد مستقريا موارد النصوص ، ومنهم من حصرها بضابط ، ولنذكر طرفا من كل منهما .

فمن الأول : قيل أربع ، وقيل سبع ، وقيل سبع عشرة . ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ، وروى سعيد بن جبير إلى سبعمائة أقرب .

ومن الثاني : قيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة ، وقيل ما أوجب حكما . وقيل ما نص القرآن على تحريمه أو أوجب في جنسه حدا . وقيل ، كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ، وقيل ما أوعد الله تعالى عليه بنار أو حد في الدنيا ، وقيل غير ذلك .

( أو كثير كذب ) ظاهر مفهومه أن من باشر كثير الكذب لا تقبل شهادته ولو اتحد متعلقه ، وقول المدونة مما يجرح به الشاهد قيام البينة عليه أنه كذاب في غير شيء مشعر [ ص: 393 ] بتعدد متعلقه . ومفهوم " كثير " أن مباشرة الكذب اليسير كالواحد غير قادح في العدالة وهو كذلك ، لعسر الاحتراز منه الحطاب ابن عرفة وأما الكذب فنصها مما يجرح به الشاهد قيام بينة على أنه كذاب في غير شيء واحد ، ونقلها ابن الحاجب بأنه معروف بالكذب في غير شيء واحد . ابن عبد السلام كلامه يعطي تكرر الكذب ممن ثبت عليه ، وأنه مشهور من قوله ولم يشترط هذا القيد الأخير في المدونة واكتفي بتكرار الكذب . قلت قوله يعطي تكرار الكذب لا وجه لتخصيصه به دون المدونة ; لأن فيها لفظ كذاب ، وفعال يدل على التكرار ضرورة ، وقوله إنه مشهور من قوله يرد بمنعه ; لأن مدلول مشهور أخص من معروف ، ولا يلزم من صدق الأعم صدق الأخص ، وقوله لم يشترط هذا في المدونة إن أراد به كونه مشهورا فلا يضر لما بينا أن لفظ معروف لا يستلزمه ، وإن أراد لفظ معروف فقوله لم يشترط في المدونة إن أراد نصا فمسلم ، وإن أراد ولا لزوما منع ; لأن قولها قيام البينة العادلة أنه كذاب بصيغة المبالغة يدل على أنه معروف بمطلق الكذب عادة ; لأن الغالب في العادة أن لا يثبت بالبينة العادلة على رجل أنه كذاب في غير شيء بصيغة المبالغة إلا وهو معروف بمطلق الكذب .

( أو صغيرة خسة ) كتطفيف حبة أو سرقة لقمة فمباشرها لا تقبل شهادته ، ومفهوم خسة أن مباشرة صغيرة غير الخسة لا تمنع من قبول شهادته وهو كذلك لعسر الاحتراز منها غالبا ( و ) لم يباشر ( سفاهة ) أي مجونا ودعابة وهزلا في أكثر أوقاته ( و ) لم يباشر ( لعب نرد ) بفتح النون وسكون الراء آلة مربعة مخططة يلعب عليها بفصوص ، ويقال لها نردشير ، وتسمى في عرف مصر طاولة ، فمباشر لعبها لا تقبل شهادته ولو مرة بغير قمار لحديث { من لعب بالنردشير فكأنما وضع يده في لحم خنزير ودمه } . وحديث { ملعون من لعب بالنردشير } . عياض في مشارقه النرد فارسي لنوع من الآلات التي يقامر عليها ، ويقال له النردشير والكعاب .

والعدل ( ذو ) أي صاحب ( مروءة ) بفتح الميم [ ص: 394 ] أفصح من ضمها ، ويجوز إبدال الهمز واوا وإدغام الواو الأولى فيها مع فتح الميم وضمها . ابن عرفة وهي المحافظة على فعل ما تركه يوجب الذم عرفا من مباح ، كترك الملي الانتعال في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافيا ، وعلى ترك ما فعله يوجب الذم عرفا من مباح كالأكل في السوق وفي حانوت الطباخ لبلدي . ابن محرز لسنا نعني بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة وحسن الشارة ، أي الهيئة ، بل المراد الصون والصمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب المجون والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن كل من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم يكن في نفسه جرحة . ابن عرفة والروايات والأقوال واضحة بأن ترك المروءة جرحة لدلالته على عدم المحافظة الدينية وهي لازم العدالة وتركها مسبب غالبا عن اتباع الشهوات . المازري من لا يبالي بسقوط منزلته ودناءة همته فهو ناقص العقل ، ونقصه يوجب عدم الثقة به . التونسي الاتصاف بالمروءة مطلوب وبخلافها منهي عنه وإن ظهر ببادئ الرأي أنه مباح مصورة .

( بترك ) شيء ( غير لائق ) أي مناسب لحال مرتكبه وإن كان مباحا في بادئ الرأي . ابن الحاجب المروءة الارتفاع عن كل ما يرى أن من تخلق به لا يحافظ على دينه وإن لم يكن حراما . تت بأن لا يأتي بما يتعذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند ذوي الفضل . البساطي باجتناب ما يرتكبه السفهاء من الأقوال والأفعال كاللعب بالطاب والقمار والمهاجنة في الأقوال والتصريح بأقوال لم يعبر الشرع عنها إلا بالكناية ونحو ذلك .

وبين غير اللائق فقال ( من ) لعب ب ( حمام ) بفتح الحاء المهملة وخفة الميم الطير المعروف ، ظاهره بقمار أم لا وهو كذلك في سرقتها ، وفي رجمها يجرح الشاهد بلعبه بالحمام إذا كان يقامر عليه ، واختلف هل يحمل مطلقها على مقيدها أو لا ، وظاهرهما أدمن عليه أم لا . المازري عن محمد من فعله على قمار أو أدمن عليه ردت شهادته . ابن عرفة روى أبو داود بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { رأى رجلا يتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانة } .

[ ص: 395 ] و ) من ( سماع غناء ) بكسر الغين المعجمة ممدودا وإن قصر فهو اليسار والمال ، وظاهره كان مع آلة أم لا ففيها ترد شهادة المغني والمغنية والنائح والنائحة إذا عرفوا بذلك ابن عبد الحكم سماع العود جرحة إلا في صنيع لا شراب فيه ، فلا يحرم وإن كره على كل حال ، والغناء إن كان بغير آلة فهو مكروه ولا يقدح في الشهادة بالمرة الواحدة ، بل لا بد من تكرره ، وكذا نص عليه ابن عبد الحكم ; لأنه حينئذ يقدح في المروءة . المازري وأما الغناء بآلة فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور فممنوع وكذا المزمار واستظهر إلحاقه بالمحرمات وإن أطلق . محمد في سماع العود أنه مكروه . وقد يريد به التحريم .

( و ) من ( دباغة ) لجلد ( وحياكة ) بكسر الحاء المهملة والمثناة لغزل صوف أو قطن أو كتان أو غيرها إن فعلها ( اختيارا ) بأن كان غير أهلها ولم يتوقف قوته وقوت عياله عليها ، فإن كان من أهلها أو اضطر إليها فلا تخل بمروءته ، وألحق بمن ذكر من يقصد كسر نفسه وتخلقها بأخلاق الفضلاء ومباعدتها عن الكبر . ابن رشد لا ترد شهادة ذوي الحرف الدنية كالكناس والحجام والدباغ والحائك إلا من رضيها اختيارا ممن لا تليق به ; لأنها تدل على خبل في عقله . ابن محرز رأى بعض الناس أن شهادة البخيل لا تقبل وقاله الغزالي . البرزلي رأيت لبعضهم أن هذه الصناعة إن صنعها تصغيرا لنفسه أو ليدخل السرور بها على الفقراء أو ليتصدق بما يأخذه منها فإنها حسنة ، وإلا فهي جرحة تت لو أدخل الكاف على دباغة لكان أحسن لإدخال باقي الحرف الدنية .

( و ) من ( إدامة ) لعب ب ( شطرنج ) بكسر الشين المعجمة أو المهملة وسكون الطاء المهملة وفتح الراء وسكون النون فجيم . تت ظاهر كلام المصنف إباحته ، وبها صرح البساطي ، وهو ظاهر كلام الشارح . وقال ابن هشام اللخمي مذهب مالك " رضي الله عنه " حرمة اللعب به ، وتارة يعبر عنه بالكراهة ، وتارة يقول هو شر من النرد .

( تنبيه )

فسر ابن نصر الإدمان بأن يلعب بها في السنة أكثر من مرة ، وبعض الأشياخ بمرة [ ص: 396 ] في السنة . الحط في الشامل وإدامة شطرنج ولو مرة في العام ، وقيل أكثر وهل يحرم أو يكره ؟ قولان ، وثالثها إن لعبه مع الأوباش على طريق المجاهرة حرم ، وفي الخلوة مع نظرائه بلا إدمان وترك مهم ولهو عن عبادة جاز . وقيل إن ألهى عن الصلاة في وقتها حرام ا هـ .

( تنبيهان ) الأول : الحط لبس اللباس المحرم أو المكروه الخارج عن السنة ليس جرحة في الشهادة كلباس فقهاء هذا الزمان من تكبيرهم العمائم وإفراطهم في توسيع الثياب وتطويلهم الأكمام ، وقد صرح الشيخ أبو عبد الله في المدخل بأن ذلك ممنوع .

الثاني : " غ " ابن عرفة لا تجوز شهادة من يشتغل بمطلق علم الكيمياء ، وأفتى الشيخ الصالح الفقيه أبو الحسن المنتصر بمنع إمامته ، ورجح أبو زيد ابن خلدون أنها على تقدير صحة وجودها ، فانقلاب الأعيان فيها من السحريات لا من الطبيات ، وإنهم يظهرون بألغازهم الضنانة بها . وإنما قصدهم التستر من حملة الشريعة . ومن اجتمعت الحرية وما بعدها فيه فهو عدل إن كان بصيرا سميعا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث