الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 297 ] باب فضل الجماعة والعذر بتركها

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة .

قال الشافعي : " ولا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر " .

قال الماوردي : لا اختلاف بين العلماء أن الجماعة للجمعة من فروض الأعيان ، ولا يصح أداؤها إلا في جماعة ، فوجب أن تكون الجماعة لها فرضا على الأعيان ، فأما الجماعة لسائر الصلوات المفروضات فلا يختلف مذهب الشافعي ، وسائر أصحابه أنها ليست فرضا على الأعيان ، واختلف أصحابنا : هل هي فرض على الكفاية ، أم سنة ؟ فذهب أبو العباس بن سريج ، وجماعة من أصحابنا إلى أنها فرض على الكفاية ، وذهب أبو علي بن أبي هريرة ، وسائر أصحابنا إلى أنها سنة .

وقال داود بن علي : هي فرض على الأعيان كالجمعة ، وبه قال عطاء ، وأصحاب الحديث ، ومن الصحابة ابن مسعود ، وغيره واستدلوا بقوله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم [ النساء : 102 ] الآية .

فأمر بالجماعة في حال الخوف ، والشدة ولم يرخص في تركها فدل ذلك على وجوبها .

وبما رواه مالك ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لقد هممت أن آمر بالحطب فيحطب ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ، ثم أخالف إلى رجال لم يشهدوا الصلاة ، وأحرق عليهم بيوتهم فلما تواعد على التخلف عنها دل على وجوبها .

وبما رواه سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر .

[ ص: 298 ] وروي أن عتبان بن مالك الضرير قال : يا رسول الله ، إني رجل ضرير شاسع الدار ، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتسمع النداء ؟ قال : نعم ، قال : أتجد قائدا ؟ قال : لا . فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أجد لك رخصة .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بيننا وبين المنافقين أن لا يحضروا المغرب ، وعشاء الآخرة ، ولو علموا ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ، ولو زحفا .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو صليتم في بيوتكم لضللتم .

وروي عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه قال : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد .

وهذا الخبر عند أهل العلم أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرو عنه مسندا ، ولا صحيحا ، ولا فاسدا ، وإنما هو موقوف على علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وروي عن ابن مسعود أنه قال : " لقد رأيتنا إذا كنا مرضى ونحن نهادي إلى صلاة الجمعة بين اثنين " ، ولأنها صلاة مفروضة ، فوجب أن تكون الجماعة لها واجبة كالجمعة .

والدلالة على ما قلناه : ما رواه الشافعي في صدر الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة .

وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ .

ووجه الدلالة من هذين الخبرين أن لفظة " أفضل " موضوعة للاشتراك فيما لأحدهما [ ص: 299 ] مزية فيما شاركه فيه .

فإن قيل : فالمراد بهما المعذور بمرض صلاته في الجماعة أفضل من [ ص: 300 ] صلاته منفردا قيل : حمله على المريض ، لأن صلاة المريض مفردا كصلاته الصبح جماعة في الفضل ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا كان العبد يعمل عملا ثم مرض أمر الله سبحانه ملكين أن يكتبا له أجر عمله في صحته .

فإن قيل : فيحمل على صلاة النافلة هي في الجماعة أفضل منها منفردا .

قيل : لا يصح حمله على النافلة ، لأن صلاة النافلة في البيت أفضل منها في الجماعة لقوله صلى الله عليه وسلم : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في الجماعة إلا المكتوبة .

ومن الدلالة على ما قلناه رواية أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وكلما كثرت كان أحب إلى الله عز وجل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بين صلاة الجماعة والانفراد من الصلاة مثل ما بين كثرة الجماعة وقلتهم من الفضل ، فدل ذلك على أن الجماعة غير فرض ، لأن العدول من قليل الجماعة إلى كثيرها غير فرض .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من لم يصل في عمره صلاة واحدة في جماعة لقي الله عز وجل ، كأنه لم يصل قط فخرج ذلك منه على طريق الترغيب فيها لا من زعم وجوبها ، أوجبها في كل صلاة ، ويحمل ذلك على من يراها سنة أبدا .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد دخل المسجد بعد فراغ الناس من الصلاة ، [ ص: 301 ] فقال : من يتصدق على هذا فيصلي معه ؟ فلو كانت الجماعة واجبة لأنكر عليه تأخره ، ولنهاه عن مثله ، ولما أخبر أن الصلاة معه صدقة عليه ، ولأنها صلاة تؤدى جماعة ، وفرادى ، فوجب أن لا تجب الجماعة فيها كالنوافل .

فأما الجواب عن قوله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة [ النساء : 102 ] . فالمراد بها تعليم صلاة الخوف ، وبيانها عند ملاقاة العدو : لأن ذلك أبلغ في حراستهم : لأنهم لو صلوا منفردين اشتغل كل واحد منهم بنفسه ، فلم يؤمن سطوة العدو بهم عند انتهاز الفرصة منهم لشغلهم ، ولو أمروا أن يصلوا معا لأدى ذلك إلى الظفر بهم ، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يفترقوا فريقين ، فيصلي بفريق ، ويحرسهم فريق ، فلم يكن في الآية دليل على وجوب الجماعة .

وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : ثم أخالف على رجال لم يشهدوا الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم هو أن تحريق بيوتهم لنفاقهم لا لتخلفهم عن الجماعة غير أنه استدل بتخلفهم على نفاقهم .

والدليل على أن الوعيد لأجل النفاق لا لأجل التخلف عن الجماعة شيئان :

أحدهما : أنه لا يجوز حرق الدور ، ونهب الأموال بالتخلف عن الجماعة بالإجماع .

والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر : " ثم أخالف إلى رجال لم يشهدوا الصلاة " . ولا خلاف أن من لم يشهد الصلاة بنفسه وأداها جماعة في منزله أنه قد أدى فرضه من غير إثم ولا معصية .

وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر . فالمراد به نداء الجمعة الذي قال الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله [ الجمعة : 9 ] . وأما الجواب عن حديث عتبان بن مالك : فيحمل على أحد أمرين : إما على صلاة الجمعة ، أو على أنه سأله عن الأفضل ، والأكمل بدليل إجماعنا أن الضرير معذور بالتخلف عنها .

وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : بيننا وبين المنافقين أن لا يحضروا المغرب وعشاء الآخرة فجوابان : أحدهما : أنه قصد به طائفة من المنافقين معروفين كعبد الله بن أبي بن سلول ، وأصحابه لتخصيص المغرب والعشاء مع استواء حكم الجماعة في كل الصلوات .

[ ص: 302 ] والثاني : أنه أخرج ذلك على جهة الحث والترغيب كقوله صلى الله عليه وسلم : بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة فكذا الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : لو صليتم في بيوتكم لضللتم كالجواب عن الخبر المتقدم ، فأما الجواب عن قول علي ، رضي الله عنه : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " فمحمول على أحد أمرين : إما على نفي الكمال ، أو على أنه لا صلاة في بيته بصلاة الإمام في مسجده .

وأما الجواب عن خبر ابن مسعود ، فمقصوده به التنبيه على فضل الجماعة ، وتحمل المشقة لها ، وليس فيه دليل على وجوبها .

وأما قياسهم على الجمعة فالمخالف يبطل القياس على أن المعنى في الجمعة أن الجماعة إنما وجبت لها : لأن الجماعة من شرط صحتها ، ولما لم تكن الجماعة من شرط سائر الصلوات لم تكن الجماعة واجبة لها .

فإذا تقرر ما ذكرنا أن الجماعة ليست فرضا على الأعيان ، فقد ذكرنا فيهما وجهين :

أحدهما : هو قول أبي علي بن أبي هريرة ، وجماعة من أصحابنا أنها سنة ، ودليلنا ما تقدم ، فعلى هذا لو أطبق أهل بلد أو قرية على ترك الجماعة فقد أساءوا بتركها ، ولم يأثموا ، ويؤمروا بها ، ويؤاخذوا على تركها .

والوجه الثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج ، وأبي إسحاق المروزي ، وغيرهما أنها فرض على الكفاية . ودليلنا ما رواه أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من ثلاثة في قرية لم تقم فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، عليكم بالجماعة وإن الذئب يأخذ القاصية فعلى هذا إن أجمع أهل بلد على تركها فقد عصوا ، وأثموا بقعودهم عنها ، ووجب على السلطان قتالهم على تركها ، وإن قام بفعلها من تقع به الكفاية منهم ، وانتشر ظهورها بينهم سقط فرض الجماعة عنهم ، فإذا كانت قرية صغيرة ، وأقيمت الجماعة في مسجد واحد ، فانتشرت وظهرت سقط الفرض ، وكان لباقي أهلها أن يصلوا منفردين ، وإن كان البلد واسعا لم يسقط الفرض بإقامتها في مسجد واحد ، ولا بإقامتها في المنازل ، والبيوت لعدم ظهورها ، وانتشارها ، حتى تقام في عدة مساجد تظهر بها الجماعة ، وتنتشر فيسقط الفرض عن الباقين ، ويجوز أن يصلوا منفردين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث