الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب كيف يمين مدعي الدم والمدعى عليه

[ ص: 49 ] باب كيف يمين مدعي الدم والمدعى عليه

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا وجبت لرجل قسامة حلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، لقد قتل فلان فلانا منفردا بقتله ، ما شاركه في قتله غيره . وإن ادعى على آخر معه حلف لقتل فلان وآخر معه فلانا منفردين بقتله ما شاركهما فيه غيرهما " .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، إذا كان من شرط الدعوى أن تكون مفسرة ، ينتفي عنها الاحتمال ، وجب أن يكون اليمين عليها مطابقة لها في استيفاء شروطها ، ونفي الاحتمال .

وذلك بخمسة أشياء ، هي شروط في كمال يمينه ووجوب الحكم بها ، ذكر المزني منها أربعة وأغفل الخامس ، وقد ذكره الشافعي في كتاب الأم .

أحدها : صفة اليمين .

والثاني : تعيين القاتل .

والثالث : تعيين المقتول .

والرابع : ذكر الانفراد بقتل ، أو الاشتراك فيه .

والخامس : - وهو الذي أغفله المزني - صفة القتل من عمد وخطأ .

فأما اليمين فلا تصح إلا بأحد ثلاثة أشياء : إما بالله تعالى ، أو باسم من أسمائه ، وإما بصفة من صفات ذاته . ولا تصح بصفات أفعاله : لأنها مخلوقة ، وصفات ذاته قديمة ، واليمين بالمخلوقات لا تصح ، وإن كانت معظمة . فيمينه بالله تعالى أن يقول : والله ، أو بالله ، أو تالله ، فيضم إليه حرف القسم به ، وهو أحد ثلاثة حروف : الواو ، والباء ، والتاء . ودخول حرف القسم عليه يقتضي أن يكون إعرابه مجرورا ، فيقول : والله ( بالكسر ) ، فإن جعله مرفوعا فقال : والله ( بالضم ) ، أو جعله منصوبا فقال : والله ( بالفتح ) . قال الشافعي في كتاب الأم : أجزأه : لأنه لحن لا يزيل المعنى ولم يفرق ، وفرق [ ص: 50 ] بعض أصحابه بين من كان من أهل العربية والإعراب في كلامه ، وبين من لم يكن منهم ، فجعلها ممن ليس من أهل العربية يمينا : لأنهم لا يفرقون بين اللحن والإعراب ، ويتكلمون بهما على السواء .

ولم يجعلها فيمن كان من أهل العربية يمينا : لأنهم يفرقون بين اللحن والإعراب ، ولا يتلفظون بالكلمة إلا على موضعها في اللغة ، فلا يجعلون ما خرج عن إعراب القسم قسما .

فأما إن حذف حرف القسم من ذكر الله لم يكن - على الظاهر من مذهب الشافعي - يمينا في عموم الناس كلهم ؛ سواء ذكر الاسم مرفوعا أو مجرورا أو منصوبا ، وعلى قول من فرق بين أهل العربية وغيرهم من أصحابه ، فجعلها بالنصب في أهل العربية يمينا : لأنهم إذا حذفوا حرف الجر نصبوا ، فصار النصب عوضا عن حرف القسم ، فصارت فيهم يمينا دون غيرهم . فأما غير ذلك من أسماء الله تعالى فينقسم قسمين :

أحدهما : ما كان على اختصاصه بأسماء الله التي لا يشاركه المخلوقون فيها كالرحمن ، فيمينه به كيمينه بالله .

والقسم الثاني : ما كان مشتركا بين الله تعالى وعباده كالرحيم ، فلا يصح يمينه بانفراده حتى يضاف إلى صفة لا يشاركه المخلوقون فيها .

وأما يمينه بصفات ذاته ، فكقوله : وقدرة الله ، وعظمة الله ، وعزة الله ، فيكون يمينا : لأنها قديمة مع قدمه . فأما صفات أفعاله ، فكقوله : وخلق الله ، ورزق الله ، فلا يكون يمينا لحدوثها ، فصار كيمينه بالمخلوقات التي لا يلزم القسم بها . فإذا صح ما يقسم به من ذكر الله وأسمائه المختصة به وصفات ذاته دون صفات أفعاله ، فالأولى بالحاكم أن يضم إلى اسمه في اليمين من صفاته ما يكون أغلظ لليمين وأرهب للحالف .

وقد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى ، فقال : يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ، وهو أولى من قول لا إله غيره : لأن في الأول إثبات لإلهيته ونفي لإلهية غيره .

والثاني : مقصور على نفي إلهية غيره ، ثم أكد بعد ذلك بقوله : الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وهذه صفة تختص بالله تعالى دون غيره ، فإن ذكر الحالف ذلك في اليمين التي أحلف بها ، كان تأكيدا لها ، وإن اقتصر في اليمين على اسمه فأحلفه : والله ، ولم يذكر من صفات التأكيد شيئا ، أجزأت اليمين : لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر في إحلاف ركانة بن عبد يزيد على اسم الله ، ولم يغلظها بالصفات . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث