الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 70 ] باب لا يرث القاتل

من كتاب اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " قال أبو حنيفة : لا يرث قاتل خطأ ولا عمدا إلا أن يكون مجنونا أو صبيا فلا يحرم الميراث : لأن القلم عنهما مرفوع . وقال أهل المدينة : لا يرث قاتل عمد ولا يرث قاتل خطأ من الدية ، ويرث من سائر ماله . قال محمد بن الحسن : هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض ؟ إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا . ( قال الشافعي ) رحمه الله : يدخل على محمد بن الحسن أنه يسوي بين المجنون والصبي وبين البالغ الخاطئ في قتل الخطأ ، ويجعل على عواقلهم الدية ويرفع عنهم المأثم ، فكيف ورث بعضهم دون بعض وهم سواء في المعنى ؟ ( قال ) : ويدخل على أصحابنا ما دخل على محمد بن الحسن ، وليس في الفرق بين قاتل خطأ لا يرث ، وقاتل عمد خبر يلزم ، ولو كان ثابتا كانت فيه الحجة . ( قال المزني ) رحمه الله : المعنى : تأويله إذا لم يثبت فرق أنهما سواء في أنهما لا يرثان . وقد قطع بهذا المعنى في كتاب قتال أهل البغي ، فقال : إذا قتل العادل الباغي ، أو الباغي العادل ، لا يتوارثان : لأنهما قاتلان ، قال : وهذا أشبه بمعنى الحديث " .

قال الماوردي : وهذا قد مضى في كتاب الفرائض ، وذكرنا اختلاف الفقهاء في ميراث القاتل ، فذهب الشافعي رضي الله عنه : أنه لا يرث قاتل عمد ولا خطأ ، سواء جرى عليه القلم بالبلوغ والعقل ، أو رفع عنه القلم بالصغر والجنون .

وقال أبو حنيفة : لا يرث قاتل عمد ولا خطأ إن جرى عليه القلم ، ويرث إن رفع عنه القلم . وقال مالك : لا يرث قاتل العمد وإن رفع عنه القلم ، ويرث الخاطئ من المال دون الدية ، وإن جرى عليه القلم . فرد محمد بن الحسن على مالك هذا القول ، وقال : هل رأيتم وارثا يرث بعض مال رجل دون بعض ؟ إما أن يرث الكل أو لا يرث شيئا . وهذا رد صحيح من محمد بن الحسن على مالك ؛ حيث ورث الخاطئ من المال دون الدية ، وكلاهما مال للمقتول يقضي منهما ديونه وتنفذ منهما وصاياه . فإن انتفت التهمة عن الخاطئ ورث الكل ، وإن تحققت التهمة منع الكل ، ولم يجز تبعيض المال في الميراث ، [ ص: 71 ] فيرث بعضا ويمنع بعضا ، كما أن المبتوتة بالطلاق في المرض ، لما لحق الزوج التهمة في منعها من ثلثي ماله : لأن الثلث غير متهوم في منعها منه : لأن له أن يمنع منه كل وارث ، فلم يلحق الزوج تهمة في منعها منه ، وقد كان يقتضي على قياس قوله أن يورثها ثلثي ماله ، ولا يورثها من الثلث : لاختصاص التهمة بالثلثين دون الثلث ، وقد أجمعت الأمة على إبطال هذا التبعيض ، وكانوا في توريثها على قولين : فمن ورثها منهم ، ورثها جميع المال ، وإن كان غير متهوم في بعضه . ومن لم يورثها ، منعها جميع المال وإن كان متهوما في بعضه ، فبطل بهذا الإجماع تبعيض المال لميراث الخاطئ ، ثم إن الشافعي رد على محمد بن الحسن فيما ذهب إليه أبو حنيفة من توريث من رفع عنه القلم دون من جرى عليه القلم : لأن الصبي والمجنون قد شاركا الخاطئ في وجوب الدية ، وشاركهما الخاطئ في ارتفاع المأثم ، فصاروا جميعا سواء في الحكم والعلة ، فهلا صاروا سواء في الميراث في أن يرثوا أو لا يرثوا ؟ وكيف فرق بينهم في الميراث وقد تساووا في سببه ، وهذا التكافؤ في الاعتراض دليل على فساد المذهبين ، ويصح ما ذهب إليه الشافعي من منع كل قاتل من الميراث : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القاتل لا يرث .

وقال : ليس لقاتل شيء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث