الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يستوي في القتل بالردة الحر والعبد والرجل والمرأة

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فإن لم يتب قتل ، امرأة كانت أو رجلا ، عبدا كان أو حرا " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : يستوي في القتل بالردة الحر والعبد ، والرجل والمرأة ، وتقتل المرتدة كما يقتل المرتد .

وبه قال من الصحابة : أبو بكر وعلي .

ومن التابعين : الحسن ، والزهري .

ومن الفقهاء : مالك والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : تحبس المرتدة ولا تقتل ، إلا أن تكون أمة فلا تحبس عن سيدها .

استدلالا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن قتل النساء والولدان . فكان على عمومه .

وبما روى عاصم بن أبي النجود ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 156 ] قال : لا تقتل المرأة إذا ارتدت . وهذا نص . ولأن من لم يقتل بالكفر الأصلي لم يقتل بالردة كالصبي .

ولأن كل حر لم يكن من أهل الجزية ، لم يقتل بالردة كالأطفال والمجانين .

ولأنها كافرة لا تقاتل ، فلم تقتل كالكافرة الأصلية .

ولأن المرأة محقونة الدم قبل الإسلام ، فلم يستبح دمها بالردة عن الإسلام ، لعودها بعده إلى ما كانت عليه قبله ، وبعكسها الرجل .

ودليلنا : عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه فإن قيل : المراد به الرجل : لقوله : من بدل دينه . ولو أراد المرأة لذكره بلفظ التأنيث ، فقال : من بدلت دينها .

قيل : لفظة " من " للعموم تستغرق الجنس ، فاشتملت على الرجال والنساء ، كما قال تعالى : ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة [ النساء : 124 ] الآية . ولأن رجلا لو قال : من دخل الدار فله درهم . استحقه من دخلها من ذكر أو أنثى .

وروى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضوان الله عليها ، قالت : ارتدت امرأة يوم أحد ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت .

وروى الزهري ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر : أن امرأة من أهل المدينة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام ، فإن رجعت وإلا قتلت .

ورواه هشام بن الغاز ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، قال : فعرض عليها الإسلام ، فأبت أن تسلم ، فقتلت وهذا نص . ولأنه كفر بعد إيمان ، فوجب أن تستحق به القتل كالرجل ، وهذه علة ورد النص بها في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان . . . . " . [ ص: 157 ] فكانت أوكد من العلة المستنبطة ، وهكذا نستنبط من هذا النص علة أخرى ، فنقول : كل من قتل بزنا بعد إحصان ، قتل بكفر بعد إيمان كالرجل . ومنه علة ثالثة : أن كل من قتل بالنفس قودا ، قتل بالردة حدا كالرجل ، فيكون تعليل النص في الثلاثة مستمرا .

ولأنه حد يستباح به قتل الرجل ، فجاز أن يستباح به قتل المرأة كالزنا .

فأما الجواب عن نهيه عن قتل النساء والولدان :

فهو أن خروجه على سبب ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة في بعض غزواته ، فقال : لم قتلت وهي لا تقاتل ونهى عن قتل النساء والولدان .

فعلم أنه أراد به الحربيات .

فإن قيل : النهي عام فلم اقتصر به على سببه ؟

قيل : لما عارضه قوله : " من بدل دينه فاقتلوه " ولم يكن بد من تخصيص أحدهما بالآخر ، وجب تخصيص الوارد على سببه ، وحمل الآخر على عمومه : لأن السبب من إمارات التخصيص .

وأما الجواب عن حديث ابن عباس :

فهو أنه رواية عبد الله بن عيسى ، عن عفان ، عن شعبة ، عن عاصم بن أبي النجود .

قال الدارقطني : وعبد الله بن عيسى هذا كذاب يضع الأحاديث على الثقات .

وقد رواه سفيان ، عن أبي حنيفة ، عن عاصم ، موقوفا على ابن عباس .

وأنكره أبو بكر بن عياش على أبي حنيفة ، فسكت وتغير .

وأنكره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل .

وما كان بهذا الضعف لم يجز أن يجعل في الدين أصلا .

وأما الجواب عن قياسهم على الصبي : فهو انتقاضه بالشيخ الهرم والأعمى والزمن فإنهم يقتلون بالردة ، ولا يقتلون بالكفر الأصلي ، والأصل غير مسلم : لأن الصبي لا تصح منه الردة . وأما جواب عن قياسهم على الكافرة الحربية فمنكسر بالأعمى والزمن لا يقتلون بالكفر الأصلي ويقتلون بالردة ، ثم المعنى في الحربية أنها مال مغنوم ، وليست المرتدة مالا . وأما الجواب عن استدلالهم بحقن دمها قبل الإسلام ، فكذلك بالردة بعد الإسلام .

[ ص: 158 ] فباطل بالأعمى والزمن والرهبان وأصحاب الصوامع ، دماؤهم محقونة قبل الإسلام ، ويقتلون بالردة عن الإسلام على أن الحربية لما جاز إقرارها على كفرها لم تقتل ، ولما لم يجز إقرار المرتدة على كفرها قتلت : لأن وقوع الفرق بينهما في الإقرار على الكفر يمنع من تساويهما في الحكم ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث