الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 152 ] ما ورد في السنة من تعليل الأحكام ]

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها ; ليدل على ارتباطها بها ، وتعديها بتعدي أوصافها وعللها ، كقوله في نبيذ التمر : { ، تمرة طيبة وماء طهور } ، وقوله : { إنما جعل الاستئذان من أجل البصر } ، وقوله : { إنما نهيتكم من أجل الدافة } ، وقوله في الهرة : { ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات } ، ونهيه عن تغطية رأس المحرم الذي وقصته ناقته وتقريبه الطيب وقوله : { فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا } وقوله : { ، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم } ، ذكره تعليلا لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، - وقوله تعالى - : { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } وقوله في الخمر والميسر : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } ، { وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر : أينقص الرطب إذا جف ؟ قالوا نعم ، فنهى عنه . } وقوله : { لا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه } وقوله : { ، إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء ، وإنه يتقي بالجناح الذي فيه الداء } ، وقوله : { إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس } .

وقال وقد { سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء فقال : هل هو إلا بضعة منك } ، وقوله في { ابنة حمزة : إنها لا تحل لي ; إنها ابنة أخي من الرضاعة } ، وقوله في الصدقة : { إنها لا تحل لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس } .

وقد قرب النبي صلى الله عليه وسلم الأحكام إلى أمته بذكر نظائرها وأسبابها ، وضرب لها الأمثال ، { فقال له عمر : صنعت اليوم يا رسول الله أمرا عظيما ، قبلت وأنا صائم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم ؟ فقلت : لا بأس بذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فصم } ولولا أن حكم المثل حكم مثله وأن المعاني والعلل مؤثرة في الأحكام نفيا وإثباتا لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى ، فذكره ليدل به على أن حكم النظير حكم مثله ، وأن نسبة القبلة التي هي وسيلة إلى الوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه ، فكما أن هذا الأمر لا يضر فكذلك الآخر ، { وقد قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله فقال : إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب عليه ، أفأحج عنه ؟ قال : أنت أكبر ولده ؟ قال : نعم ، قال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزئ عنه ؟ قال : نعم ، قال : فحج عنه } ، فقرب الحكم من الحكم ، وجعل دين [ ص: 153 ] الله - سبحانه - في وجوب القضاء أو في قبوله بمنزلة دين الآدمي ، وألحق النظير بالنظير ، وأكد هذا المعنى بضرب من الأولى ، وهو قوله : { اقضوا الله فالله أحق بالقضاء } ، ومنه الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { وفي بضع أحدكم صدقة ، قالوا : يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر ؟ قالوا : نعم ، قال : فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر } ، وهذا من قياس العكس الجلي البين ، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه ، ومنه الحديث الصحيح : { أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي ولدت غلاما أسود ، وإني أنكرته . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لك من إبل ؟ قال : نعم ، قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر ، قال : هل فيها من أورق ؟ قال : إن فيها لورقا ، قال : فأنى ترى ذلك جاءها ؟ قال : يا رسول الله عرق نزعه ، قال : ولعل هذا عرق نزعه } . ولم يرخص له في الانتفاء منه .

ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل .

ثم ذكر بعده حديث ابن عباس { أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج ، أفأحج عنها ؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ، فقال : اقضوا الله فإن الله أحق بالوفاء } ، وهذا الذي ترجمه البخاري هو فصل النزاع في القياس ، لا كما يقوله المفرطون فيه ولا المفرطون ، فإن الناس فيه طرفان ووسط ، فأحد الطرفين من ينفي العلل والمعاني والأوصاف المؤثرة ، ويجوز ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين ، ولا يثبت أن الله - سبحانه - شرع الأحكام لعلل ومصالح ، وربطها بأوصاف مؤثرة فيها مقتضية لها طردا وعكسا ، وأنه قد يوجب الشيء ويحرم نظيره من كل وجه ، ويحرم الشيء ويبيح نظيره من كل وجه ، وينهى عن الشيء لا لمفسدة فيه ، ويأمر به لا لمصلحة بل لمحض المشيئة المجردة عن الحكمة والمصلحة ، وبإزاء هؤلاء قوم أفرطوا فيه ، وتوسعوا جدا ، وجمعوا بين الشيئين اللذين فرق الله بينهما بأدنى جامع من شبه أو طرد أو وصف يتخيلونه علة يمكن أن يكون علته وأن لا يكون ، فيجعلونه هو السبب الذي علق الله ورسوله الحكم بالخرص والظن ، وهذا هو الذي أجمع السلف على ذمه كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - .

والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في الأحكام العلل والأوصاف المؤثرة فيها طردا وعكسا {كقوله للمستحاضة التي سألته : هل تدع الصلاة زمن استحاضتها ؟ فقال : لا ، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فأمرها أن تصلي مع هذا الدم ، وعلل بأنه دم عرق وليس بدم حيض ، } وهذا قياس يتضمن الجمع والفرق . [ ص: 154 ]

فإن قيل : فشرط صحة القياس ذكر الأصل المقيس عليه ، ولم يذكر في الحديث . قيل : هذا من حسن الاختصار ، والاستغناء بالوصف الذي يستلزم ذكر الأصل المقيس عليه ; فإن المتكلم قد يعلل بعلة يغني ذكرها عن ذكر الأصل ، ويكون تركه لذكر الأصل أبلغ من ذكره ، فيعرف السامع الأصل حين يسمع ذكر العلة ; فلا يشكل عليه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين علل وجوب الصلاة مع هذا الدم بأنه عرق صار الأصل الذي يرد إليه هذا الكلام معلوما ، فإن كل سامع سمع هذا يفهم منه أن دم العرق لا يوجب ترك الصلاة ، ولو قال : " هو عرق فلا يوجب ترك الصلاة كسائر دم العروق لكان عيا ، وعد من الكلام الركيك ، ولم يكن لائقا بفصاحته ، وإنما يليق هذا بعجرفة المتأخرين وتكلفهم وتطويلهم .

ونظير هذا { قوله صلى الله عليه وسلم لمن سأل عن مس ذكره هل إلا بضعة منك } ، فاستغنى بهذا عن تكلف قوله كسائر البضعات .

ومن ذلك { قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته : هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ فقال : نعم ، فقالت أم سليم : أوتحتلم المرأة يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما النساء شقائق الرجال } ، فبين أن النساء والرجال شقيقان ونظيران لا يتفاوتان ولا يتباينان في ذلك ، وهذا يدل على أن من المعلوم الثابت في فطرهم أن حكم الشقيقين والنظيرين حكم واحد ، سواء كان ذلك تعليلا منه صلى الله عليه وسلم للقدر أو للشرع أو لهما ; فهو دليل على تساوي الشقيقين وتشابه القرينين وإعطاء أحدهما حكم الآخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث