الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : [ القول في اللواط ]

وأما الفصل الثاني : في اللواط : فهو إتيان الذكر الذكر ، وهو من أغلظ الفواحش تحريما ، قال الله تعالى : ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إلى قوله : بل أنتم قوم مسرفون [ الأعراف : 80 - 81 ] ، فجعله من سرف الفواحش ، ولذلك عذب الله قوم لوط بالخسف وأمطر عليهم الحيوان البهيم حتى لا يأتي ذكر ذكرا .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لعن الله من يعمل عمل قوم لوط ، لعن الله من يعمل عمل قوم لوط .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أول من لاط إبليس ، أهبط من الجنة فردا لا زوجة له لاط بنفسه فكانت ذريته منه .

فإذا ثبت أنه من أغلظ الفواحش ، ففيه أغلظ الحدود .

وقال أبو حنيفة : لا حد فيه ، ولا يفسد به الحج ولا الصوم ، ولا يجب به الغسل إلا أن ينزل فيغتسل ، ويعزران ويحبسان حتى يتوبا : استدلالا بأن ما لم ينطلق عليه اسم الزنا لم يجب فيه حد ، كالاستمتاع بما دون الفرج : لأنه استمتاع لا يستباح بعقد ، فلم يجب فيه حد الاستمتاع وبمثله من الزوجة ، ولأن أصول الحدود لا تثبت قياسا .

ودليلنا : رواية عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به . [ ص: 223 ] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إتيان الرجل الرجل زنا .

وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الذي يعمل عمل قوم لوط ارجموا الأعلى والأسفل .

وروى صفوان بن سليم ، عن خالد بن الوليد ، أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة ، فكتب إلى أبي بكر ، فاستشار أبو بكر الصحابة فيه ، فكان علي أشدهم قولا فيه ، فقال : ما فعل هذا إلا أمة من الأمم ، وقد علمتم ما فعل الله بها ، أرى أن يحرق بالنار . فكتب أبو بكر بذلك إليه فحرقه . وأخذ به ابن الزبير فكان يحرق اللواطي في خلافته .

وروي أن عليا حرق لوطيا ورجم لوطيا .

وقال ابن عباس : يلقى من شاهق منكسا ، ثم يرجم بالحجارة ، وهذا قول من ذكرنا من الصحابة ، وليس لهم فيه مخالف ، فكان إجماعا بعد نص . ولأنه فرج مقصود بالاستمتاع ، فوجب أن يتعلق به وجوب الحد قياسا على قبل المرأة . ولأنه أغلظ من الزنا إذ لا سبيل إلى استباحته فوجب أن لا يسقط فيه حد الزنا كالزنا .

وقولهم : إنه لا ينطلق عليه اسم الزنا . فقد أطلق الله عليه اسم الفاحشة التي جعلها زنا .

وأما استباحته من الزوجة فلأن صحة العقد عليها بشبهة . وأما إيجاب الحدود بالقياس فغير ممتنع . وعلى أن في حد اللواط نصا ، فإذا ثبت وجوب الحد فيه فهو معتبر فيهما بتغييب الحشفة . وفيه إذا كانا بالغين قولان :

أحدهما : - نص عليه في اختلاف علي ، وعبد الله - أن حده القتل في المحصن والبكر . وبه قال عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد : ولأنه أغلظ من الزنا ، فكان حده أغلظ من حد الزنا . فعلى هذا : في قتله قولان :

أحدهما : وهو قول البغداديين : أنه يقتل رجما بالأحجار كالزنا : لأنه المشروع فيه .

والثاني : وهو قول البصريين : أنه يقتل بالسيف صبرا كالردة تعلقا بظاهر الخبر .

[ ص: 224 ] والقول الثاني : نقله الربيع ، وقال : رجع الشافعي إليه عن الأول : أنه كحد الزنا يرجم فيه المحصن ، ويجلد البكر مائة ويغرب عاما .

وبه قال الزهري ، والثوري ، وأبو يوسف ، ومحمد : لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ولأنه لما وجب الفرق بين البكر والثيب فيما انعقد الإجماع على وجوب الحد فيه ، كان أولى أن يقع الفرق بينهما فيما اختلف في وجوب الحد فيه . ويستوي فيه الفاعل والمفعول به ، فإن كان أحدهما غير بالغ عزر ولم يحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث