الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الشروط المعتبرة في القاذف والمقذوف

فصل : [ الشروط المعتبرة في القاذف والمقذوف ]

فإذا ثبت أن حد القذف ثمانون جلدة فهو أكمل حدوده ، وكماله معتبر بشروط في المقذوف وشروط في القاذف .

فأما الشروط المعتبرة في المقذوف فخمسة : البلوغ ، والعقل ، والحرية ، والإسلام ، والعفة : لأن الله تعالى شرط في حد القاذف إحصان المقذوف ، فقال : والذين يرمون المحصنات [ النور : 4 ] ، فاعتبر بالبلوغ لنقص الصغر . واعتبر بالعقل لنقص الجنون . واعتبر بالحرية لنقص الرق . واعتبر بالإسلام لنقص الكفر . واعتبر بالعفة لنقص الزنا ، ولقوله تعالى : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء [ النور : 4 ] ، فدل على أنهم إذا أتوا بالشهداء لم يحدوا ، ولقوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات [ النور : 23 ] ، أنه أراد الغافلات عن الفواحش بتركها . وإن كان المقذوف صغيرا أو مجنونا فلا حد على قاذفها لأمرين :

أحدهما : لنقصانهما عن كمال الإحصان .

والثاني : لأنهما لا يجب عليهما بالزنا حد ، فلم يجب لهما بالقذف حد . وإن كان المقذوف عبدا فلا حد على قاذفه .

وقال داود : يحد قاذفه لعموم الظاهر ، ولأنه يحد بالزنا فحد له القاذف بالزنا كالحر . وهذا خطأ : لأن الله تعالى شرط فيه الإحصان وهو منطلق على الحرية والإسلام ، فوجب أن يكونا شرطا فيه ، ولأن فعل الزنا أغلظ من القذف ، فلما منعه نقص الرق من كمال حد الزنا كان أولى أن يمنع من حد قذفه بالزنا ، ولأنه لما منعه نقص الرق أن تؤخذ بنفسه نفس حر كان أولى أن يمنع أن يؤخذ بعرضه عن عوض حر .

فإن قيل : ينبغي إذا قذفه عبد مثله أن يحد لقذفه كما يقتص بقتله .

قيل : هذا لا يلزم : لأن المقذوف قد عدم شرط الإحصان فسقط حد قذفه وإن ساواه القاذف ، كما لو كان غير عفيف فقذفه غير عفيف لم يحد ، وإن استويا في سقوط [ ص: 156 ] العفة لعدم شرط الإحصان ، وكذلك قذف العبد للعبد .

وأما الجواب عن حده بالزنا : فلأن حد الزنا عليه وحد القذف له ، ونقصه مؤثر في الحق الذي له ، وإن لم يؤثر في الحق الذي عليه ، كالقصاص لا يستحقه على الحر ، ويستحقه عليه الحر .

وهكذا لو كان المقذوف مدبرا أو مكاتبا أو من رق بعضه وإن قل فلا حد على قاذفه ، سواء ساواه في الرق أو فضل عليه بالحرية ، لكن يعزر للأذى ، وإن كان المقذوف كافرا فلا حد على قاذفه ، سواء كان مسلما أو كافرا : لما ذكرنا من عدم شرط الإحصان فيه ، ولأنه لما لم يأخذ نفس المسلم بنفس الكافر لم يؤخذ عرضه بعرضه ، وهكذا لو كان المقذوف غير عفيف فلا حد على قاذفه ، وسنذكر ما تسقط به العفة من بعد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث