الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : [ شروط القطع في السرقة ] .

فإذا ثبت ما ذكرناه من قطع السارق فوجوبه معتبر بشرطين : الحرز ، والقدر . فأما الحرز فيأتي . وأما القدر : فقد اختلف في اعتباره ، فذهب داود وأهل الظاهر وأبو عبد الرحمن الشافعي والخوارج إلى أنه غير معتبر ، وأنه يقطع في القليل والكثير .

وبه قال من الصحابة عبد الله بن الزبير .

ومن التابعين سعيد بن المسيب والزهري : لعموم قول الله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] .

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ، ويسرق البيضة فتقطع يده .

وذهب جمهور الفقهاء إلى اعتبار القدر في وجوب القطع ، واختلفوا فيه على مذاهب شتى ، فذهب الشافعي إلى أنه مقدر بربع دينار فصاعدا يقطع فيه ، ولا يقطع فيما نقص منه . فإن كان المسروق دراهم أو متاعا قوم بالذهب . وقال عثمان البتي : يقطع في درهم واحد فصاعدا : لأنه أول معدود منها .

[ ص: 270 ] وقال زياد بن أبي زياد : يقطع في درهمين فصاعدا : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من استحل بدرهمين فقد استحل .

وقال مالك : يقطع في ثلاثة دراهم فصاعدا : لروايته عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم .

وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري : يقطع في أربعة دراهم فصاعدا . ولعلهما قوما المجن بأربعة دراهم . وروى عروة بن الزبير أن ثمن المجن أربعة دراهم .

وقال إبراهيم النخعي : يقطع في خمسة دراهم فصاعدا : لرواية قتادة ، عن أنس ، أن رجلا سرق مجنا على عهد أبي بكر رضي الله عنه فقوم خمسة دراهم فقطعه . ولرواية سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " لا تقطع الخمس إلا في خمس " .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : تقطع في عشرة دراهم فصاعدا ، وإن سرق من غيرها قوم بها ، فصار مخالفا للشافعي من وجهين :

أحدهما : في القدر .

والثاني : في جنس ما يقع به التقويم ، استدلالا برواية زفر بن الهذيل ، عن الحجاج بن أرطأة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا قطع إلا في عشرة دراهم . [ ص: 271 ] وروى مجاهد ، وعطاء ، عن أيمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن مجن ، وكان يقوم دينارا . ومن القياس : أنه مال يستباح به عضو ، فوجب أن لا يتقدر بربع دينار كالمهر ، ولأنه حق يتعلق بمال فوجب أن لا يتعلق بربع دينار كالزكاة .

ودليلنا : عموم قول الله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] ، إلا ما خصه الدليل والإجماع .

وروى الشافعي ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : القطع في ربع دينار فصاعدا وهذا أوكد : لأنها إضافة إلى سماعها منه .

وروى الشعبي ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع في مجن قيمته خمسة دراهم .

وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارقا سرق من صفة النساء ترسا ، قيمته ثلاثة دراهم .

والترس : المجن .

ومن القياس : - وإن كان ضعيفا في المسألة - أن يدل على أن من سرق خمسة دراهم قيمتها ربع دينار قطع فيها ، فنقول : إنها فريضة تجب في نصاب الزكاة فجاز أن [ ص: 272 ] تقطع بسرقتها كالشاة والبعير .

فأما الجواب عن الخبر الأول : فراويه الحجاج بن أرطاة وهو مطعون عليه وفي حديثه ، قيل : إنه كان لا يحضر الجمعة . يقول : يزاحمني فيها الطوافون والنقالون . وكان يقول : لا ينسل الإنسان إلا بترك الجماعة . ومثل هذا لا يقبل حديثه .

وأما عمرو بن شعيب : فقد تكلم الناس فيه ، ولو صح كانت أخبارها أصح . ويمكن أن يتأول على عشرة دراهم قيمتها ربع دينار : لأن النقود كانت مختلفة وأوزانها مختلفة .

وأما حديث أيمن فهما اثنان : أحدهما : هو أيمن ابن أم أيمن صحابي قتل يوم حنين ولم يلقه مجاهد .

والثاني : هو أيمن الحبشي مولى لبني الزبير ، تابعي وليس له صحبة ، وقد لقيه مجاهد ، فكان الحديث في الحالين مرسلا . ولو صح ، لكان جوابه ما ذكرنا .

وأما الجواب عن قياسهم على المهر فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أن وصفه غير مسلم في الأصل والفرع : لأن العضو في السرقة يستباح بإخراج المال من الحرز ، وفي النكاح يستباح بالعقد .

والثاني : أن النكاح يستباح فيه منفعة الجسد كله ، ولا يختص بالبضع وحده ، والقطع في السرقة يستباح به نقص الأعضاء ، فافترقا في الحكم والمعنى .

والثالث : أن معنى المهر عوض في عقد ، فلم يتقدر إلا برضى المتعاقدين ، وخالف قطع السرقة لتقدر المسروق به شرعا ، وعلى أن أبا حنيفة لا يأخذ المقادير قياسا .

وأما الجواب عن قياسهم على الزكاة : فهو أن نقول : أن لا تتقدر بعشرة دراهم كالزكاة .

فأما استدلال داود : فمخصوص بما ذكرنا .

[ ص: 273 ] وأما قوله صلى الله عليه وسلم : يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده ، فعنه ثلاثة أجوبة :

أحدها : أنه على وجه المبالغة .

والثاني : أنه محمول على بيضة الحرب وحبل المتاع .

والثالث : أن يبقى من نصاب القطع ثمن البيضة والحبل فيقطع بسرقته ، وإن كان مذهبه مدفوعا برواية عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما كانت اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث