الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ حكم نباش القبور ]

مسألة : قال الشافعي : " ويقطع النباش إذا أخرج الكفن من جميع القبر : لأن هذا حرز مثله " .

قال الماوردي : النباش : هو الذي ينبش القبور ويسرق أكفان موتاها . اختلف أهل العلم في قطعه ، فذهب الشافعي إلى وجوب قطعه .

وبه قال من الصحابة رضي الله عنهم : ابن الزبير وعائشة .

ومن التابعين : عمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري .

ومن الفقهاء : إبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ومالك بن أنس ، وأبو يوسف ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .

وقال أبو حنيفة ومحمد : لا يقطع .

وبه قال من الصحابة : زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عباس : استدلالا برواية الزهري أن نباشا رفع إلى مروان بن الحكم فعزره ولم يقطعه ، وفي المدينة بقية الصحابة وعلماء التابعين فلم ينكره أحد منهم ، ولأن أطراف الميت أغلظ حرمة من كفنه ، فلما سقط ضمان أطرافه فأولى أن يسقط القطع في أكفانه ، ولأنه لو سرق من القبر غير الكفن لم يقطع ، فكذلك إذا سرق الكفن : لأن ما كان حرزا لشيء كان حرزا لأمثاله ، وليس القبر حرزا لمثل الكفن ، فكذلك لا يكون حرزا للكفن ، ولأن الكفن معرض للبلى والتلف فخرج عن حكم المحفوظ المستبقى ، فسقط عنه القطع المختص بما يحفظ [ ص: 314 ] ويستبقى ، ولأن الكفن لا مالك له ، وما لا مالك له لا قطع فيه لعدم المطالب ، كمال بيت المال ، ولأنه لو كفن بأكثر من العادة لم يقطع في الزيادة ، كذلك فيما جرت به العادة ، ولأن قبر الميت يشتمل على كفنه وطيبه ، ثم لم يقطع في طيبه ، فكذلك في كفنه .

ودليلنا : قول الله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ المائدة : 38 ] ، فوجب أن يكون على عمومه في النباش وغيره .

فإن قيل : النباش ليس بسارق : لاختصاصه باسم النباش دون السارق .

قيل : عنه جوابان :

أحدهما : أن السارق هو المستسر بأخذ الشيء من حرزه ، كما قال تعالى : إلا من استرق السمع [ الحجر : 18 ] ، وهذا موجود في النباش ، فوجب أن يكون سارقا .

والثاني : ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سارق موتانا كسارق أحيائنا . وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال : يقطع سارق أحيائنا وسارق موتانا . فسمياه سارقا ، وقولهما حجة في اللغة ، وقال تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ‎وأمواتا [ المرسلات : 25 ] ، أي : نجمعهم أحياء على ظهرها ونضمهم أمواتا في بطنها . فجعل بطنها حرزا للميت كما جعل ظهرها حرزا للحي ، فاستويا في الحكم .

وروى البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقطع المختفي ، قال الأصمعي : وأهل الحجاز يسمون النباش المختفي ، وفيه تأويلان :

أحدهما : لاختفائه بأخذ الكفن .

والثاني : لإظهاره الميت في أخذ كفنه ، وقد يسمى المظهر المختفي ، وهو من أسماء الأضداد . وروي أن عبد الله بن الزبير قطع نباشا بعرفات وهو مجمع الحجيج . ولا يخفى ما يجري فيه على علماء العصر ، فما أنكره منهم منكر .

ومن القياس : أنها عورة يجب سترها ، فجاز أن يجب القطع في سرقة ما سترها كالحي .

ولأنه حكم يتعلق بسرقة مال الحي ، فجاز أن يتعلق بسرقة كفن الميت كالضمان .

ولأن قطع السرقة موضوع لحفظ ما وجب استبقاؤه على أربابه ، حتى ينزجر الناس عن أخذه ، فكان كفن الميت بالقطع أحق لأمرين :

أحدهما : أنه لا يقدر على حفظه على نفسه . [ ص: 315 ] والثاني : أنه لا يقدر على مثله عند أخذه .

فأما الجواب عن حديث مروان أنه عزر النباش فلم يقطعه : فعنه ثلاثة أجوبة :

أحدها : أنه مذهب له وقد عارضه فعل من قوله أحج وفعله أوكد ، وهو ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز .

والثاني : أنه يجوز أن يكون سقوط القطع لنقصان قيمته عن مقدار القطع .

والثالث : أنه يجوز أن يكون النباش لم يخرج الكفن من القبر ، والقطع لا يجب إلا بعد إخراجه من القبر : لأن جميع القبر حرز له .

وأما الجواب عن استدلالهم بسقوط الضمان في أطرافه فكذلك في أكفانه : فمن وجهين :

أحدهما : انتقاضه بالمرتد ، يسقط ضمان أطرافه ولا يسقط في ماله .

والثاني : أنه لما افترقت أطرافه وأكفانه في الضمان وضمن أكفانه ولم يضمن قطع أطرافه ، كان القطع تبعا لضمانها في الوجوب ، كما كان القود في الأعضاء تبعا لضمانها في السقوط .

وأما الجواب عن قولهم : بأن القبر ليس بحرز لغير الكفن ، فلم يكن حرزا للكفن . فمن وجهين :

أحدهما : أنه لو كان القبر في حرز ودفن فيه مع الميت مال قطع في المال عندهم ، ولم يقطع في الكفن ، وإن كان في هذا الجواب ضعف : لأن عندهم لسقوط القطع في الكفن ثلاث علل :

أحدها : أن القبر ليس بحرز .

والثانية : أنه موضوع للبلى .

والثالثة : أنه لا مالك له . فإن كملت سقط القطع بجميعها ، وإن تفرقت سقط القطع بما وجد منها .

والجواب الثاني : أن الحرز معتبر بالعادة التي لا يقترن بها تفريط ، والعادة في الأكفان إحرازها في القبور ، ولا ينسب فاعلها إلى تفريط ، فصار إحرازا ، وليس إذا كان حرزا لها صار حرزا لغيرها : لأن الأحراز تختلف بحسب اختلاف المحرزات .

فإن قيل : هذا الجواب في اعتبار العادة لا يمنع من سقوط القطع ، كبذر الزرع قد جرت العادة في إحراز ببذره فيها ، ولا ينسب فاعله إلى تفريط ، ولو سرقه سارق لم يقطع ، فكذلك الكفن .

[ ص: 316 ] فالجواب عنه : أن أصحابنا اختلفوا فيه ، هل يجب القطع على سارقه أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : يجب القطع فيه إذا بلغت قيمته نصابا ، اعتبارا بالعادة في إحراز مثله . فعلى هذا : يسقط الاعتراض به .

والوجه الثاني : لا يجب فيه القطع . والفرق بينه وبين الكفن : أن الكفن يؤخذ دفعة واحدة من حرزه ، وقد كملت قيمته نصابا ، فلذلك قطع فيه ، وليس كذلك هذا البذر : لأنه يأخذه من الأرض حبة بعد حبة وكل حبة منها تحرز في موضعها ، لا في موضع غيرها ، وإذا افترقت السرقة لم يضم بعضها إلى بعض فافترقا .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الكفن معرض للبلى والتلف : فمن وجهين :

أحدهما : أن الاعتبار بحاله عند أخذه ، ولا اعتبار بما تقدم أو تأخر ، كالبهيمة المريضة إذا شارفت الموت .

والثاني : أن تعريضه للبلى لا يمنع وجوب القطع فيه ، كدفن الثياب في الأرض ، وعلى أن ثياب الحي معرضة للبلى باللباس ، ولا يوجب سقوط القطع فيها ، كذلك الأكفان .

وأما الجواب عن قولهم : إنه لا مالك للكفن . فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه ملك للميت خاصة لاختصاصه به ، وليس يمتنع أن يكون مالكا له في حياته ، وباقيا على ملكه بعد موته ، كالدين يكون ثابتا في ذمته في حياته ، وفي حكم الثابت في ذمته بعد موته . فعلى هذا : لو أن الميت أكله السبع وبقي كفنه ، ففيه وجهان :

أحدهما : يكون لورثته على فرائض الله .

والثاني : يكون لبيت مال المسلمين . وعلى هذا : في الخصم المستحق للمطالبة بقطع سارقه وجهان :

أحدهما : الورثة إن جعلناه موروثا .

والثاني : الإمام إن جعلناه لبيت المال ، فهذا حكم الوجه الأول .

والوجه الثاني : أن الكفن ملك للورثة ، وقد استحق الميت منافعه كالتركة إذا كان عليها دين ملكها الورثة واستحق الميت عليهم قضاء دينه . فعلى هذا : إن أكله السبع عاد الكفن إلى الورثة وجها واحدا ، وهم الخصوم في قطع السارق .

والوجه الثالث : أنه لا مالك للكفن ، ولأن الميت لا يملك ، والوارث لا حق له [ ص: 317 ] فيه ، وليس يمتنع أن يقطع فيما لا مالك له ، كما يقطع في أستار الكعبة ، وآلات المساجد . ويخالف مال بيت المال : لأنه لم يتعين في حق إنسان بعينه ، والكفن يتعين في حق صاحبه ، ويعود إلى بيت المال ، إن أكله السبع ، ويكون الإمام هو الخصم في قطع السارق .

وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لا يقطع في زيادة الكفن : فهو أن الغرض ثوب ، والزيادة عليه إلى خمسة أثواب ندب ، وما زاد عليه خارج حكمه ، فيقطع في الواجب والندب ، ولا يقطع في الزيادة عليها بخروجها عن حكم الكفن فرضا وندبا ، وليس القبر حرزا لغير الكفن ، وإن كان حرزا للكفن : لما قدمناه فافترقا .

وأما الجواب عن استدلالهم بالطيب : ففي قطع سارقه من أكفان الميت وجهان :

أحدهما : يقطع ويسقط الاستدلال به .

والوجه الثاني : لا يقطع : لأن الطيب مستهلك بعد استعماله ، والأكفان باقية فافترقا في القطع : لافتراقهما في المعنى .

فأما سرقة التابوت فلا قطع فيه : لأن التابوت منهي عن الدفع فيه ، فلم يصر القبر حرزا له فسقط فيه القطع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث