الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 358 ] باب صلاة المسافر ، والجمع في السفر

مسألة : قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " وإذا سافر الرجل سفرا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي ، فله أن يقصر بالصلاة . سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم أميالا فقصر ، وقال ابن عباس أقصر إلى جدة وإلى الطائف ، وعسفان . قال الشافعي : وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلا بالهاشمي ، وسافر ابن عمر إلى ريم فقصر ، قال مالك : وذلك نحو من أربعة برد " قال الماوردي : وهذا صحيح ، جملة الأسفار على أربعة أضرب ، واجب ، وطاعة ، ومباح ، ومعصية .

فالسفر الواجب كالحج ، والعمرة ، والجهاد ، والطاعة ، والسفر في طلب العلم ، وزيارة الوالدين .

والمباح سفر التجارة .

والمعصية السفر في قطع الطريق ، وإخافة السبل .

فأما سفر المعصية فلا يجوز أن يقصر فيه ولا يفطر ، والكلام فيه يأتي فيما بعد .

وأما السفر الواجب ، والطاعة ، والمباح فيجوز فيه القصر ، وقال داود بن علي : وهو مذهب عبد الله بن مسعود : لا يجوز القصر ، والفطر إلا في السفر الواجب وهو الحج ، والعمرة ، والجهاد ، تعلقا بقوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا [ النساء : 101 ] . فوردت الآية بإباحة القصر بشرط الخوف من الكفار ، وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته ، فلم يجز القصر في غيره ، قالوا : ولأن الصوم والإتمام واجب ، وترك الواجب لا يجوز إلى غير واجب ، وإنما يجوز تركه إلى واجب كترك التستر للختان ، وهذا غلط .

ودليلنا رواية يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقلت : أباح الله تعالى القصر في الخوف ، فما بالنا نقصر في غير الخوف ؟ فقال : قد عجبت مما قد عجبت [ ص: 359 ] منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " القصر رخصة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته فأخبر أن القصر في غير الخوف صدقة من الله سبحانه على عباده ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سافر أينا فقصر الصلاة .

فأما تعلقهم بالآية فهي وإن اقتضت جواز القصر في الجهاد فالسنة تقتضي جوازه في غير الجهاد ، فاستعملناهما معا ، وأما قولهم : " لا يجوز ترك الواجب إلى غير واجب " فمنتقض بشيئين : أحدهما الفطر ، لأن داود يجوزه في السفر المباح ، وهو ترك واجب إلى غير واجب ، والثاني الجمع بين الصلاتين في المطر جائز وهو ترك واجب إلى غير واجب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث