الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( الثالث ) من أركانها ( القيام في فرض القادر ) عليه شمل فرض الصبي والعاري والفريضة المعادة والمنذورة ، فيجب حالة التحرم إجماعا ، وهو مراد الروضة وأصلها بقولهما يجب أن يكبر قائما حيث يجب القيام ، ولخبر البخاري { صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب } ، زاد النسائي { فإن لم تستطع فمستلقيا { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } } وإنما أخروا القيام عن النية والتكبير مع تقدمه عليهما لأنهما ركنان في كل صلاة بخلافه ، ولأنه قبلهما شرط وركنيته إنما هي معهما وبعدهما .

وعلم أنهم أوجبوا الذكر في قيام الصلاة وجلوس التشهد ولم يوجبوه في الركوع ولا في السجود لأن القيام والقعود يقعان للعبادة والعادة فاحتيج إلى ذكر يخلصهما للعبادة ، والركوع والسجود يقعان خالصين لله تعالى إذ هما لا يقعان إلا للعبادة فلم يجب ذكر فيهما ، ويسن أن يفرق بين قدميه بشبر خلافا لقول الأنوار بأربع أصابع ، فقد صرحوا بالشبر في تفريق ركبتيه في السجود ( وشرطه نصب فتاره ) بفتح الفاء : أي عظامه التي هي مفاصله ، لأن اسم القيام دائر معه فلا يضر إطراق الرأس بل يسن ، ولا الاستناد إلى نحو جدار وإن كان بحيث لو رفع لسقط لوجود اسم القيام لكن يكره الاستناد .

نعم لو استند بحيث يمكنه رفع قدميه بطلت صلاته لأنه معلق نفسه وليس بقائم ، ومنه يؤخذ صحة قول العبادي : يجب وضع القدمين على الأرض ، فلو أخذ اثنان بعضده ورفعاه في الهواء حتى صلى لم تصح ، ولا يضر قيامه على ظهر قدميه من غير عذر خلافا لبعضهم لأنه لا ينافي اسم القيام ، وإنما لم يجز نظيره في السجود لأن اسمه ينافي وضع القدمين المأمور به ، ثم وخرج بالفرض النفل وبالقادر العاجز وسيأتي حكمهما .

واستثنى من كلامه مسائل : منها ما لو خاف راكب سفينة غرقا أو دوران رأس فإنه يصلي قاعدا ولا إعادة عليه كما في المجموع ، زاد في الكفاية : وإن أمكنته الصلاة على الأرض ، ومنازعة الأذرعي والزركشي فيه بندرة ذلك ممنوعة ، وقول الماوردي : تجب الإعادة يحمل على ما إذا كان العجز للزحام لندرته . [ ص: 466 ] ومنها ما لو كان به سلس بول ولو قال سال بوله وإن قعد لم يسل فإنه يصلي قاعدا وجوبا كما في الأنوار ولا إعادة عليه .

ومنها ما لو قال له طبيب ثقة إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك ، وبعينه مرض فله ترك القيام ، ولو كان المخبر له عدل رواية فيما يظهر أو كان هو عارفا ، ولو شرع في السورة بعد الفاتحة ثم عجز في أثنائها قعد ليكملها ، ولا يكلف قطعها ليركع وإن كان ترك القراءة أحب ، ولو كان بحيث لو اقتصر على الفاتحة أمكنه القيام وإن زاد عجزا صلى بالفاتحة ذكره في الروضة .

وقضيته لزوم ذلك ، لكن صرح ابن الرفعة نقلا عن الأصحاب بأفضليته وهو واضح ، وإنما اغتفروا ترك القيام لأجل سنة الجماعة ولم يغتفروا الكلام الناشئ عن التنحنح لسنة الجهر للفرق بينهما وهو أن القيام من باب المأمورات وقد أتى ببدل عنه ، والكلام من باب المنهيات واعتناء الشارع بدفعه أهم ، وأيضا فإن الكلام مناف للصلاة ، بخلاف القعود فإنه يكون من أركانها .

ولو أمكن المريض القيام منفردا من غير مشقة ولم يمكنه ذلك في جماعة إلا بفعل بعضها قاعدا فالأفضل الانفراد ، وتصح مع الجماعة وإن قعد في بعضها كما في زيادة الروضة ، وكان وجهه أن عذره اقتضى مسامحته بتحصيل الفضائل ، فاندفع قول جمع لا يجوز له ذلك لأن القيام آكد من الجماعة .

ومنها ما لو كان للغزاة رقيب يرقب العدو ولو قام لرآه العدو ، أو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا لرآهم العدو لهم وفسد تدبير الحرب صلوا قعودا ، ووجبت الإعادة لندرة ذلك ، بخلاف ما لو خافوا قصد العدو لهم فلا إعادة عليهم كما في التحقيق ، ونقله في الروضة عن تصحيح المتولي ، وإن نقل الروياني عن النص اللزوم والفرق على الأول شدة الضرر في قصد العدو ، وقد يمنع استثناء ذلك بأن من ذكر عاجز لضرورة التداوي أو خوف الغرق أو الخوف على المسلمين أو نحو ذلك فكلامه متناول لها ( فإن وقف منحنيا ) إلى قدامه أو خلفه ، أو مائلا ( إلى يمينه أو يساره ، بحيث لا يسمى قائما ) ( لم يصح ) قيامه لتركه الواجب لغير عذر والانحناء السالب للاسم أن يصير إلى الركوع أقرب ، قاله في المجموع لا إن كان أقرب إلى القيام أو استوى [ ص: 467 ] الأمران كما أفهمه كلام الروضة أيضا وإن نظر فيه الأذرعي ، ولو لم يتمكن من القيام إلا متكئا على شيء أو إلا على ركبتيه أو لم يقدر على النهوض إلا بمعين ولو بأجرة مثل وجدها فاضلة عما يعتبر في زكاة الفطر فيما يظهر في يومه وليلته لزمه ذلك لأنه مقدوره ، وقول القاضي يجوز قعوده في الثانية ، وصوبه ابن الفركاح لأنه لا يسمى قياما مردود بوجوب القراءة في الهوي كما يأتي ،

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : وإنما أخروا القيام ) أي في الذكر ( قوله : ولأنه قبلهما شرط ) يتجه الاكتفاء بمقارنته بهما فقط وإن لم يتقدم عليهما إلا أن يكون ما قاله منقولا فلا بد من قبوله مع إشكاله ، أو تكون شرطيته قبلهما لتوافق مقارنته لهما عادة على ذلك ، فإن أمكنت بدونه لم يشترط ا هـ سم على حج ( قوله : أوجبوا الذكر إلخ ) أي قراءة الفاتحة ( قوله : وجلوس ) أي وأوجبوا ألفاظ التشهد في جلوس إلخ ، وقوله التشهد : أي الأخير ( قوله بين قدميه بشبر ) أي بالنسبة للوسط المعتدل لا بالنسبة لنفسه ( قوله : فقد صرحوا بالشبر إلخ ) أي فيقاس عليه ما هنا ( قوله : لكن يكره الاستناد ) ينبغي حيث لا ضرورة إليه ( قوله فلو أخذ اثنان بعضده ) بكل واحد من عضديه ولو عبر به كان أوضح ( قوله : وإن أمكنته الصلاة على الأرض ) أي ولو بلا مشقة ، فلا يكلف الخروج من السفينة للصلاة خارجها على ما هو ظاهر عبارة الشارح ، لكن قال سم على حج ما نصه : قوله خاف نحو دوران رأس إلخ : أي فيصلي قاعدا وإن أمكنته الصلاة قائما على الأرض كما في الكفاية ، ولعل محله إذا شق الخروج إلى الأرض أو فوات مصلحة السفر ا هـ بحروفه ( قوله : ومنازعة الأذرعي والزركشي فيه ) [ ص: 466 ] أي في عدم الإعادة ( قوله : وجوبا ) قال سم على حج نقلا عن شرح العباب : وهو أوجه من قول ابن الرفعة ندبا ، وإن نقله عن الروضة ووجه الزركشي نسبته إليها كذلك ، ونقل عن الكافي مساعدته وجرى عليه بعض المتكلمين على المنهاج ولا إعادة عليه ا هـ .

وظاهر أنه على الوجوب لو صلى قائما مع نزول البول لم تصح صلاته ا هـ بحروفه ( قوله : وبعينه ) الواو للحال ( قوله : فله ترك القيام ) أي ولا إعادة عليه ( قوله : قعد ليكملها ) ثم يقوم للركوع كما يعلم من كلام سم الآتي ( قوله بأفضليته ) وهو واضح ، وعبارة حج : ومن ثم لو كان إذا قرأ الفاتحة فقط لم يقعد أو والسورة قعد فيها جاز له قراءتها مع القعود وإن كان الأفضل تركها وكتب بهامشه سم ما نصه : قوله جاز له قراءتها مع القعود فيه حيث لم يقل جاز له الصلاة مع القعود تصريح بأنه إنما يقعد عند العجز لا مطلقا ، فإذا كان يقدر على القيام إلى قدر الفاتحة ثم يعجز قدر السورة قام إلى تمام الفاتحة ثم قعد حال قراءة السورة ثم قام للركوع وهكذا ( قوله : لأجل سنة الجماعة ) أي حيث يقتدي بالإمام ، فإذا عرض له العجز لتطويل الإمام مثلا جلس إلى ركوع الإمام فيقوم ويركع معه ( قوله : بتحصيل الفضائل ) أي بسبب تحصيل الفضائل : أي لأجلها فجوز له القعود في بعض الصلاة لتحصيل فضيلة الجماعة أو السورة ( قوله : من ذكر عاجز ) أي فحكمه مستفاد من قول المصنف الآتي ولو عجز عن القيام قعد كيف شاء ا هـ .

ولو أخر الكلام على هذه إلى هناك لكان أولى ( قوله : أقرب ) أي منه إلى القيام ( قوله : لا إن كان أقرب إلى القيام ) هذا إنما يأتي في الانحناء إلى قدامه إلا أن يقال : [ ص: 467 ] المراد نسبة انحنائه إلى الركوع لو كان على الهيئة المحصلة له أقرب إلى الركوع ( قوله : ولو لم يتمكن من القيام إلا متكئا ) ظاهره ولو في دوام قيامه : وفي كلام سم على منهج نقلا عن الشارح أن محل ذلك في النهوض فقط بأن احتاج إلى ذلك حال النهوض ، فإذا استوى قائما استغنى عنه ، وعبارته قوله أو بغيره . اعلم أن النووي رحمه الله قال في الروضة وشرح المهذب : فلو لم يقدر على القيام إلا بمعين لزمه ذلك ، قال السبكي : ومحله إن كان يقدر على القيام بعد النهوض فإن القاضي الحسين قال في تعليقه : إن العاجز عن القيام إذا أمكنه القيام بالعكازة وأن يعتمد على شيء لا يلزمه ذلك ا هـ .

والذي في الروضة خلافه .

وكذا مسألة الاتكاء بعد القيام مذكورة في الروضة في محل آخر وأوجب ذلك فيها ا هـ ع .

واعلم أن مسألة العكازة لها حالان : أحدهما أن يحتاج إليها في النهوض وإذا قام أمكنه القيام بدونها ، وثانيهما أن يحتاج إليها في النهوض وفي القيام بعده أيضا بحيث لا يمكنه القيام بعد النهوض بدونها فيجب في الحال الأول دون الثاني م ر .

أقول : وكذا يقال في المعين ا هـ .

وعبارة سم على بهجة قوله إلا بمعين وجب ، بخلاف ما لو احتاج له في جميع صلاته لا يجب م ر .

وعبارة الروض وشرحه : لو قدر العاجز عن القيام مستقلا على القيام متكئا على شيء أو على القيام على ركبتيه أو قدر على النهوض بمعين ولو بأجرة مثل وجدها فاضلة عن مؤنة ممونه يومه وليلته لزمه ذلك ا هـ . ويخرج بقوله أو قدر على النهوض بمعين ما لو لم يقدر على القيام إلا بمعين فلا يلزمه كما قاله الغزي ، ويتحصل منه مع قول الروض متكئا على شيء أن من قدر بعض النهوض على القيام معتمدا على نحو جدار وعصا لزمه أو بمعين لم يلزمه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث