الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أحكام الوصية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 503 ] باب ) صح إيصاء : حر ، [ ص: 504 ] مميز ، مالك وإن سفيها أو صغيرا ، وهل إن لم يتناقص قوله ، [ ص: 505 ] أو أوصى بقربة ؟ تأويلان

[ ص: 503 ]

التالي السابق


[ ص: 503 ] باب ) ( في بيان أحكام الوصية ) ابن عرفة هي في عرف الفقهاء لا الفراض عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده . قوله لا الفراض ، أي فإنها عندهم قاصرة على القسم الأول . قوله في ثلث إلخ أخرج ما يوجب حقا في رأس ماله مما عقده على نفسه في صحته .

وقوله : يلزم بموته أخرج تبرع الزوجة بثلث مالها ; إذ لا يتوقف لزومه على موتها . قوله أو نيابة عطف على قوله حقا ، أو تنويعية فكأنه قال الوصية في عرف الفقهاء نوعان ، أحدهما عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزمه بموته ، والثاني عقد يوجب نيابة عن عاقده بعد موته وأورد أنه لا يشمل الوصية بدين لوجوبه من رأس المال .

وأجيب بأن هذا لا توجبه الوصية ، بل البينة أو الإقرار ، فالعقد المتعلق به إقرار لازم بمجرده لا وصية متوقف لزومها على موته . الحط لا خفاء في صدقه على التدبير . أحمد بابا لا خفاء في عدم صدقه عليه لخروجه بقوله : يلزم بموته للزومه بإنشائه ونحوه للرماصي والرصاع ، وهو ظاهر إن قيل : التدبير لا يلزم بإنشائه ، وإلا فلا يبطله الدين ، وإنما الممنوع منه الرجوع ، فالصواب ما للحط قلت : بل الصواب ما للجماعة ، وإبطاله الدين لا يقتضي عدم لزومه ، إنما هو لفقد الثلث الذي يلزم فيه ويدل على لزومه أنه لا يبطله في الحياة إلا ما يبطل العتق الناجز ، وهو الدين السابق ، أفاده البناني ، على أن قوله : لا يلزم ، وإنما الممنوع الرجوع عنه تناقض لا يخفى .

( صح إيصاء حر ) فلا يصح إيصاء رق ، ولو بشائبة حرية ، وهذا بيان لحكمه بعد نزوله ، وسكت عن حكم القدوم عليه . اللخمي وابن رشد حكمه الوجوب إن كان عليه [ ص: 504 ] دين ونحوه ، والندب ، وإن كان بقربة غير واجبة ، والحرمة إن كان بنحو النياحة والكراهة إن كان بمكروه أو في قليل مال ، والإباحة إن كان بمباح عبد الحق هو على ضربين واجب ومستحب ، فإن كان عليه أو له حق وجب ، وإلا استحب ، ونحوه للمازري وبعض القرويين . وفي ضيح : إنما يجب فيما له بال ، وجرت العادة بالإشهاد عليه من حقوق الناس .

وأما يسيرها فلا يجب الإيصاء به للمشقة ، وفي صحيح مسلم { ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين ، وفي رواية ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة } فخصه بعض شيوخ عبد الحق بالموعوك . ابن رشد الصواب عمومه الصحيح ; لأنه قد يفجؤه الموت ، وإنفاذ ما عدا المحرم لازم . وقول ابن رشد إنفاذه يجري على الأحكام الخمسة مراده به إنفاذه من الموصي قبل موته .

( مميز ) بكسر الياء مثقلا فلا يصح إيصاء غير مميز لصغر أو جنون أو إغماء أو سكر .

ابن شاس تصح من كل حر مميز ، ولا تصح من العبد ولا من المجنون ( مالك ) للموصى به فلا يصح بمال الغير فضوليا أو مستفرق الذمة بالتبعات . إن كان رشيدا ، بل ( وإن ) كان ( سفيها أو صغيرا ) ابن عرفة تصح وصية الحر المالك التام ملكه .

فيها تجوز وصية المحجور عليه والسفيه والمصاب حال إفاقته لا حال خبله ، وتجوز وصية ابن عشر سنين ، وأقل منها مما يقاربها إذا أصاب وجه الوصية ، وذلك أن لا تكون في اختلاط . الباجي في المدنية عيسى روى ابن القاسم تجوز وصية اليافع وهو ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة . محمد أجاز الإمام مالك وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وصية من يعقل ما أوصى به ابن سبع سنين وشبهه . أصبغ تجوز وصية الصبي إذا عقل ما يفعل . اللخمي عنه تجوز وصيته إذا عقل الصلاة . ولمالك رضي الله تعالى عنه في العتبية إذا أثغر وأدب على ترك الصلاة والصبيان يختلف إدراكهم وتمييزهم ، فمن علم تمييزه جازت وصيته فيما هي قربة لله تعالى أو صلة رحم ، وإن جعلها لمن يستعين بها في منهي عنه ردت .

( وهل ) تصح وصية الصغير المميز ( إن لم تتناقض ) وإن لم تكن بقربة لله تعالى [ ص: 505 ] كإيصائه بمال لغني أجنبي ، وهذا تأويل أبي عمران ( أو ) تصح إن ( أوصى ) الصغير ( بقربة لله تعالى ) ومنها صلة الرحم بأن أوصى بمال لمسكين قريب أو أجنبي فلا تصح بغير قربة ، وإن لم تتناقض ، وهذا تأويل اللخمي ، في الجواب ( تأويلان ) لقولها تجوز وصية ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها إذا أصاب وجه الوصية ولم يكن فيه اختلاط .

( تنبيهات ) الأول : البناني الأولى إن لم يخلط بدل إن لم تتناقض لأن التناقض أخص من التخليط ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم والتخليط أن لا يكون لكلامه محصول ، وأيضا إذا قال : أعطوا فلانا ثم قال : لا تعطوه فهو تناقض ، فهو غير مطروح .

الثاني : ابن مرزوق قوله : أو بقربة ، هذا وإن ذكره اللخمي ليس في كلامه ما يدل على أنه قصد به تفسير كلامها ، وإنما هو رأي له ، وكأنه أراد بالقربة ما ليس بمعصية بدليل مقابلتها بها ، وبهذا تعلم ما في صنيع المصنف .

الثالث : محل التأويلين قولها إذا أصاب وجه الوصية بدليل قول الأمهات . قلت لابن القاسم : ما معنى أصاب وجه الوصية ، قال : إذا لم يكن في وصيته اختلاط ، نقله ابن مرزوق ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث