الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : [ غزوة أحد وحمراء الأسد ]

ثم غزوة أحد ، وسببها أن مشركي قريش لما عادوا من بدر إلى مكة ، وجدوا العير التي قد قدم أبو سفيان بها من الشام بأموالهم ، موقوفة في دار الندوة ، فمشى أشرافهم إلى أبي سفيان ، وقالوا له : قد طابت أنفسنا أن نجهز بربح هذه العير جيشا إلى محمد : لنثأر منه بقتلانا ، فقال : أنا وبني عبد مناف أول من يجيب إلى هذا ، وكانت ألف بعير ، والمال خمسون ألف دينار ، وكانوا يربحون للدينار دينارا ، فأخرجوا منها [ ص: 33 ] أرباحهم ، وأنفذوا رسلهم ؛ يستنفرون قبائل العرب لنصرتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وأجمع رأيهم على إخراج الظعن من نسائهم معهم : لتحريضهم لهم ، وتذكيرهم بمن قتل منهم ، وكان أبو عامر الراهب قد مضى إلى مكة في خمسين رجلا من منافقي قومه ، فحرض قريشا ، وأعلمهم أن الأنصار إذا رأوه أطاعوه ، فكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبرهم .

وسار أبو سفيان بهم ، وهم ثلاثة آلاف رجل ، وظعنهم خمس عشرة امرأة من نساء أشرافهم ، وفيهم سبعمائة درع ، ومائة رام ، ومائتا فرس ، وثلاثة آلاف بعير ، حتى نزل بأحد ، وكان وحشي غلاما حبشيا لجبير بن مطعم ، يقذف بحربة له قذف الحبشة ، قلما يخطئ ، فأخرجه مع الناس ، وقال : إن قتلت حمزة بن عبد المطلب عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق ، وجعلت له هند بنت عتبة في قتله ما اقترح ، وكان إذا مر بها قالت : إيه أبا دسمة اشف واشتف ، وكان يكنى أبا دسمة .

ولما نزلت قريش بأحد ، ذلك في يوم الأربعاء الرابع من شوال ، استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ، وكان رأيه ألا يخرج إليهم ، ويقيم بالمدينة ، حتى يقاتلهم فيها ، ووافقه على رأيه شيوخ الأنصار ، وعبد الله بن أبي ابن سلول ، وقال : يا رسول الله ما قاتلنا ودخل المدينة علينا أحد إلا ظفرنا به ، ولا خرجنا إليه إلا ظفر بنا ، وكان رأي أحداث الأنصار الخروج إليهم : لتأخرهم عن بدر ، فغلب رأي من أراد الخروج ، وأقامت قريش بأحد بقية يوم الأربعاء ، ويوم الخميس ، ويوم الجمعة .

فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة بالمدينة ، ثم العصر ، ثم دخل منزله ، فلبس لأمة سلاحه ، وظاهر بين درعين ، فلما رآه الناس ندموا على ما أشاروا عليه من الخروج ، وقال لهم أسيد بن الحضير ، وسعد بن معاذ : أكرهتموه على الخروج ، والوحي ينزل عليه ، فقالوا : يا رسول الله اصنع ما شئت . فقال : ما كان لنبي لبس لأمة سلاحه أن ينزعها حتى يقاتل وسار في ألف رجل من المهاجرين والأنصار فيهم مائة دارع ، ولم يكن معهم إلا فرسان : أحدهما : لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآخر لأبي بردة بن نيار ، واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم ، ودفع لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب .

وقيل : إلى مصعب بن عمير ، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير ، ولواء الخزرج إلى خباب بن المنذر .

وقيل إلى سعد بن عبادة ، ونزل بالشيخين ، وهما أطمان ، كان يهودي ويهودية أعميان يقومان عليهما ، فيتحدثان فنسبا إليهما وهما في طرف المدينة ، فصلى المغرب ثم استعرض أصحابه ، فرد منهم لصغره زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ، وأبا سعيد الخدري ، وأسيد بن ظهير ، وعرابة بن أوس وهو الذي قال فيه الشماخ :

[ ص: 34 ]

رأيت عرابة الأوسي ينمي إلى الخيرات منقطع القرين

ورد رافع بن خديج ، وسمرة بن جندب ، ثم أجازهما ، وأقام بمكانه أكثر الليل ، ثم سار إلى أحد ، فانخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول مع ثلاثمائة من قومه ، ومن تابعه من المنافقين ، وعاد إلى المدينة وقال : علام نقتل أنفسنا ؟

وبقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعمائة رجل ، فسار حتى نزل صبيحة يوم السبت السابع من شوال بالشعب من أحد ، وأر الرماة - وهم خمسون رجلا - أن يقفوا عند الجبل ، وجعل عليهم عبد الله بن جبير ، وأن يرموا الجبل من ورائهم ، وقال لهم : لا تبرحوا من مكانكم إن كانت لنا أو علينا ، وجعل على الخيل الزبير بن العوام ، وصافوا العدو ، وتقدم أبو عامر الراهب في الأحابيش والعبيد ، ونادى الأوس فقالوا : لا مرحبا بك ولا أهلا ، وصدقوا القتال ، فانهزمت قريش ، وتشاغل المسلمون بالغنيمة ، وزال الرماة عن مواقعهم ؛ طلبا للغنيمة ، فبدر النساء يضربن بالدفوف ، ويحرضن الرجال ويعلن :

نحن بنات طارق     نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق     أو تدبروا نفارق


فراق غير وامق

فعادت قريش ، وعطف خالد بن الوليد في الجبل إلى موقف الرماة من وراء المسلمين ، فانهزموا ووضع فيهم السيف ، فقتل منهم سبعون رجلا عدة من قتل من المشركين يوم بدر ، فيهم حمزة بن عبد المطلب ، قتله وحشي ، ومثل به ، وبقرت هند بطنه ، وأخذت كبده ، فلاكتها بفمها ، ثم لفظتها ، ومثل بجماعة من المسلمين ، وكسرت رباعية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابها عتبة بن أبي وقاص ، وشجه في جبهته ، وضربه ابن قميئة بالسيف على شقه الأيمن فاتقاه طلحة بن عبيد الله ، فشلت أصبعه وادعى أنه قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاع الخبر به في المسلمين ، والمشركين ، فقال أنس بن النضر : يا قوم إن كان محمد قد قتل ، فإن رب محمد لم يقتل ، ولم يبق مع نبي الله إلا أربعة عشر رجلا : سبعة من المهاجرين منهم : أبو بكر ، وعلي ، وطلحة والزبير . وسبعة من الأنصار ، وانهزم الباقون بعد أن قتل بين يديه من المسلمين نحو ثلاثين رجلا كلهم يتقدم بين يديه ، ويقول : وجهي لوجهك الوفاء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك سلام الله ، غير مودع ، وقتل من المشركين أربعة وعشرون رجلا منهم أصحاب اللواء من بني عبد الدار ، [ ص: 35 ] وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رأى في منامه كأنه في درع حصينة ، وكأن سيفه ذا الفقار قد انثلم ، وكأن بقرا تذبح ، وكأنه مردف كبشا ، فأخبر بها أصحابه ، وتأولها أن الدرع الحصينة هي المدينة ، وأن انثلام سيفه هي مصيبة في نفسه ، وأن ذبح البقر هو قتل في أصحابه ، وأن إرداف الكبش هو كبش الكتيبة ، يقتله الله ، فصح تأويلها ، وكان الكبش - قيل - طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين ، ثم إخوته يأخذون اللواء فيقتلون ، وكان أبي بن خلف برز إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس له بأحد حلف أن يقتله عليها ، فقال رسول ، صلى الله عليه وسلم : " أنا أقتله إن شاء الله ، وبرز إليه فرماه بحربة كسر بها أحد أضلاعه بجرح كالخدش ، وهو يخور كالثور ، ويقول : والله لو تفل علي لقتلني ، ومات بسرف ، ثم برز أبو سفيان بعد انجلاء الحرب فنادى : أين محمد ؟ فلم يجبه أحد . ثم قال : أين ابن أبي قحافة ؟ فلم يجبه أحد . فقال أين ابن الخطاب ؟ فلم يجبه أحد . فقال : أين ابن أبي طالب ؟ فلم يجبه أحد . فقال : الآن قتل محمد ، ولو كان حيا لأجبت . فقال عمر : كذبت يا عدو الله ، هذا رسول الله ، يسمع كلامك . فقال أبو سفيان : ألا إن الأيام دول ، والحرب سجال ، يوم أحد بيوم بدر ، وحنظلة بحنظلة - يعني حنظلة بن الراهب المقتول بأحد بحنظلة بن أبي سفيان المقتول ببدر - فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال أبو سفيان : اعل هبل . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر : قل له : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر : قل له : الله مولانا ولا مولى لكم .

فقال أبو سفيان : أما إنه قد كانت فيكم مثلة ما أمرت بها ولا نهيت عنها ، ولا سرتني ، ولا ساءتني ، ثم ولى ، ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة في آخر يومه ، وهو يوم السبت ، ولم يغسل قتلى أحد ، واختلف في صلاته عليهم ، وأمر بدفنهم في مصارعهم ، فدفنوا فيها إلا من سبق حمله ودفنه في المدينة ، ولما كان من الغد ، وهو يوم الأحد الثامن من شوال ، صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح ، وأمر بلالا فنادى في الناس بالخروج لطلب عدوهم ، وأن لا يخرج معه إلا من شهد أحدا وسار ودفع لواءه إلى أبي بكر ، وقيل : إلى علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وسار وهو مكلوم إرهابا لقريش ، حتى بلغ حمراء الأسد ، وبها قريش يتآمرون في الرجوع إلى المدينة ، وصفوان بن أمية ينهاهم إلى أن ساروا إلى مكة ، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة لم يلق كيدا ، وسميت هذه السنة عام أحد ؛ لأنها أعظم وقائعها ، وكان فيها خمس غزوات ، وسرية واحدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث