الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 41 ] فصل : [ غزوة الخندق ]

ثم غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الخندق ، وهي غزوة الأحزاب .

وسببها : أن بني النضير لما أجلوا إلى خيبر فقصد أشرافهم مكة ، وحرضوا قريشا على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاهدوهم ، فاجتمعوا في أربعة آلاف ، فيهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير ، عليهم أبو سفيان بن حرب ، واستعدوا العرب ، فجاءهم الأحزاب من القبائل حتى استكملوا عشرة آلاف ، وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خروجهم من مكة ، فذكر ذلك للمسلمين ، وشاورهم فيه ، فأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق ، فأجمعت المسلمون ، وحفروه ، وعمل معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ، وكان الأنصار يقولون ، وهم يحفرون الخندق :


نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا

قال أنس بن مالك : والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :


اللهم إن الخير خير الآخره     فاغفر للأنصار والمهاجره

وروى البراء بن عازب قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل معنا التراب ، وقد وارى التراب بياض بطنه ، وهو يقول :


اللهم لولا أنت ما اهتدينا     ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا     وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى قد بغوا علينا     إذا أرادوا فتنة أبينا

وفرغوا من الخندق بعد ستة أيام ، وجعلوا النساء والصبيان في الآطام ، ونزلت قريش والأحزاب ، وعلى جميعهم أبو سفيان ، وعسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسفح " سلع " وجعله وراء ظهره في يوم الاثنين من ذي القعدة ، ومعه من المسلمين ثلاثة آلاف رجل ، هم على أشد خوف ووجل ، ودفع لواء المهاجرين إلى زيد بن حارثة ، ولواء الأنصار [ ص: 42 ] إلى سعد بن عبادة ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ودعا أبو سفيان بني قريظة إلى نقض عهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابوه بعد الامتناع ، فلما بلغه ذلك قال : حسبنا الله ونعم الوكيل : لأنه خافهم على الذراري ، وكانوا من ورائهم ، ونزل فيه قول الله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر الآية [ الأحزاب : 10 ] .

وكان المشركون يتناوبون القتال ، فيقاتل أبو سفيان في أصحابه يوما ، ويقاتل خالد بن الوليد يوما ، ويقاتل عمرو بن العاص يوما ، ويقاتل عكرمة بن أبي جهل يوما ، ويقاتل هبيرة بن أبي وهب يوما . والخندق حاجز ، والمسلمون يحفظون أقطاره ، فقال المشركون : هذه مكيدة ما كانت العرب تصنعها ، فأنى لهم هذا ؟ فقيل لهم : إن معهم رجلا فارسيا أشار به عليهم ، فاجتمعوا بأسرهم ، وقصدوا أضيق موضع في الخندق أغفله المسلمون ، فعبر منه عكرمة بن أبي جهل ، ونوفل بن عبد الله ، وضرار بن الخطاب ، وهبيرة بن أبي وهب ، وعمرو بن عبد ود ، وطلب عمرو البروز وكان ابن تسعين سنة ، فبرز إليه علي بن أبي طالب ، فقتله ، وقتل الزبير بن العوام نوفل بن عبد الله بالسيف ، فقطعه اثنين ، وانهزم الباقون ، وقصد خالد بن الوليد الجهة التي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتشاغل بحربه حتى أخر صلاة الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة ، حتى انكفأوا راجعين متواعدين للغد ، فأمر بلالا فأذن وأقام للظهر ، وأقام لكل صلاة بعدها ولم يؤذن ، وقال : شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قلوبهم وقبورهم نارا .

وصلاها جميع أصحابه ، فلما كان في الليل والمشركون على ترتيب قتالهم من الغد سعى بينهم نعيم بن مسعود ، وكان قد أسلم فخذل بعضهم من بعض حتى اختلفوا ، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الأحزاب ثلاثة أيام يقول : اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، وزلزلهم فعصفت بهم الريح حتى زلزلتهم ، فانهزموا ، وتفرق جمعهم ، وقتل من المسلمين خمسة منهم : سعد بن معاذ رماه ابن العرقة بسهم في أكحله ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بذل لعيينة الثلث من ثمار المدينة : ليرجع عن الأحزاب بمن معه من غطفان فامتنع أن يأخذ إلا الشطر ، فشاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 43 ] سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة فقالا : إن كنت قد أمرت بشيء فافعل ، وإن لم تؤمر فما تعطيهم إلا السيف ، فقال : إنما هو شيء شاورتكما فيه ثم هزم الله الأحزاب صبيحة اختلافهم بعد حصار المدينة خمسة عشر يوما ، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة مسرورا في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ذي القعدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث