الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 592 ] ( باب ) ( الفرائض )

[ ص: 592 ]

التالي السابق


[ ص: 592 ] ( باب ) في بيان الفرائض

وهو علم قرآني ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله تعالى لم يكل قسمة مواريثكم إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب ، ولكن تولى بيانها فقسمها أبين قسم } ، ذكره الغزالي في وسيطه شارحه أشار صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } الآية وقوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } السهيلي نظرت فيما بينه الله تعالى في كتابه من حلال وحرام وحدود وأحكام فلم أجده افتتح شيئا من ذلك بما افتتح به آية الفرائض ، ولا ختم شيئا من ذلك بما ختمها به ، فإنه قال في أولها { : يوصيكم الله في أولادكم } ، فأخبر عن نفسه أنه موص تنبيها على حكمته فيما أوصى به وعلى عدله ورحمته ، وقال حين ختم الآية { وصية من الله والله عليم حليم } ، وأطال الكلام في شرح الآية وقوله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } ، وقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعلمه وتعليمه فقال { : تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة ولا يجدان من يفصل بينهما } . وقال صلى الله عليه وسلم { تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم ، وإنه ينسى ، وإنه أول ما ينزع من أمتي } . وقال { تعلموا القرآن وعلموه الناس ، وتعلموا الفرائص وعلموها الناس ، وتعلموا العلم وعلموه الناس ، فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما } .

وقد حض عليهما جماعة من الصحابة والتابعين أيضا ، فقال عمر بن الخطاب : رضي الله تعالى عنه تعلموا الفرائض فإنها من دينكم . وقال أيضا : تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون القرآن والنحو واللغة ، وقال أيضا : إذا لهوتم فالهوا بالرمي ، وإذا تحدثتم فتحدثوا [ ص: 593 ] بالفرائض . وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه تعلموا القرآن والفرائض فإنه يوشك أن يفتقر الناس إلى علم من يعلمها . وقال أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه مثل الذي يقرأ القرآن ولا يحسن الفرائض كمثل لابس برنس لا رأس له .

وقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لا يكون الرجل عالما مفتيا حتى يحكم الفرائض والنكاح والأيمان . القاضي أبو بكر أشار إلى عظم هذه الفصول من الدين وعموم فروعها في المسلمين ، والفرائض أصل من أصول الدين وأتم علومه ، والناس إلى انقراض الدنيا بين وارث وموروث ، وقد يكون من سائر العلوم ما ينزل ببعض دون بعض ، والفرض نازل بالكل . وفي الذخيرة هذا العلم من أجل العلوم وأنفسها . وأجمعت الأمة على أنه من فروض الكفاية واستوفت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم النظر فيه وكثرت مناظرتهم وأجوبتهم وفروعهم فيه أكثر من غيره ، فمن استكثر منه فقد اهتدى بهديهم رضي الله تعالى عنهم واختلف هل كونها نصفا تعبدا ومعقول المعنى قولان ، وبالأول قال جماعة ، فيجب علينا الإيمان به عقلنا معناه أم لا . وعلى الثاني توقف في تسميتها نصفا مع قوله صلى الله عليه وسلم { حسن السؤال نصف العلم } بأن النصفين يستغرقان الشيء مع أنه قد بقيت أمور كثيرة من العلم ، وبأن مسائله قليلة بالنسبة لمسائل الفقه فضلا عن باقي العلم ، فكيف يكون أقل الشيء نصفه .

وأجيب عنهما بأن المراد المبالغة حتى كأنه لجلالته نصف كل ما يتعلم ، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم { التودد نصف العقل ، والهم نصف الهرم ، والتدبير نصف المعيشة } ، مع حقارة هذه الأمور بالنسبة لما معها . وإنما المراد التنبيه على عظم جدواها ومصلحتها . وعن الثاني بأن أحوال الإنسان قسمان ، قسم قبل الوفاة وقسم بعدها ، وهذا العلم خاص بما بعدها ، فهو نصف بهذا الاعتبار ، وهذا يدل على نفاسته ، فإن الشيء إذا قل حجمه وكثر نفعه ساوى كثير الحجم كثير النفع بالنسبة إليه كالجوهر بالنسبة إلى الحديد وسائر المعادن . [ ص: 594 ] وأورد أن علم الوصايا والتكفين والتغسيل والصلاة على الميت متعلق بما بعد الموت أيضا ، فلم يتم الجواب عن الثاني .

وأجيب بالتزام كون أحكام الوصايا وما معها من الفرائض ، وبأن الوصايا لا تلزم كل ميت متمول فقد يموت بلا وصية ، بخلاف الإرث ; وبأن أحكام الوصية في مشروعيتها والرجوع عنها وغيرهما إنما تكون في الحياة ، وإنما الذي بعد الموت التنفيذ والغسل وما معه إنما تجب على الأحياء فهي من أحوال الحياة ، وبأن المراد انقسام حال المال نصفين ، وهذه أحكام بدنية لا مالية أفاده في الذخيرة .

ابن عرفة علم الفرائض لقبا الفقه المتعلق بالإرث ، وعلم ما يوصل لمعرفة قدر ما يجب لكل ذي حق من التركة ، واحترز بقوله لقبا من علم الفرائض مركبا إضافيا باقيا على حاله ، فإنه أعم من هذا ، فهو مثل أصول الفقه لقبا ومركبا إضافيا وبيوع الآجال كذلك ، وقوله علم ما يوصل بالرفع عطف على الفقه أدخل به كيفية القسمة وعمل المناسخات وغيرها ; لأن هذه كلها من علم الفرائض . شارح الحوفي حد علم الفرائض العلم بالأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالمال بعد موت مالكه تحقيقا أو تقديرا ، وموضوعه التركات ; لأنه يبحث فيه عن عوارضها الذاتية من مؤن تجهيز وقضاء دين وتنفيذ وصية وإرث . وغايته حصول ملكة توجب سرعة الجواب على وجه الصحة والصواب . وفائدته إيصال الحقوق لمستحقيها واستمداده من كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم واجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم والإجماع والقياس .

وللإرث أسباب ثلاثة القرابة والنكاح والولاء قاله الفرضيون سلفا وخلفا . القرافي وهو مشكل سواء أرادوا الأسباب التامة أو أجزاءها لجعلهم أحدها القرابة والأم لم ترث الثلث في حالة والسدس في أخرى بمطلق القرابة وإلا لساواها الابن أو البنت وسائر الأقارب لوجود مطلق القرابة فيهم ، بل بخصوص كونها أما مع مطلق القرابة ، وكذا ميراث البنت النصف ليس لمطلق القرابة وإلا لثبت للجدة أو الأخت لأم وباقي الأقارب ، [ ص: 595 ] بل لخصوص كونها بنتا وعموم القرابة ، وكذلك للزوج النصف في حالة والربع في أخرى ليس لمطلق النكاح وإلا لكانت الزوجة كذلك لوجود مطلق النكاح فيها ، بل للخصوص والعموم كما تقدم ، فسببه مركب ، وكذلك الزوجة فإن كانوا أرادوا حصر الأسباب التامة فهي أكثر من عشرة وإن كانوا أرادوا الناقصة التي هي الأجزاء فالخصوصيات كثيرة كما رأيت ، فتنبه لهذا فهو حسن ، ولم أر من تعرض له ، وحينئذ فليس المراد الأسباب التامة ولا الناقصة التي هي الخصوصيات ، بل الناقصة التي هي المشتركات وهي مطلق القرابة ومطلق النكاح ومطلق الولاء . شارح الحوفي هذا السؤال غير وارد ابتداء ، وإن عظمه ذاكره ، وقال إنه لم يتفطن له غيره ; لأن مرادهم حصر أسباب الإرث العام الشامل لمطلق الفرض والتعصيب ، كما هو مقتضى اللفظ ، وسؤاله إنما يرد إذا أريد حصر أسباب الفروض المخصوصة ، وهذا خلاف مقتضى اللفظ ،

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث