الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء وحديث من توضأ فليستنثر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

33 36 - مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ، ثم [ ص: 37 ] لينثر ؛ ومن استجمر فليوتر " .

[ ص: 38 ] 37 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر " .

التالي السابق


1281 - عند بعض شيوخنا في حديث أبي الزناد : " فليجعل في أنفه ماء " وبعضهم ليس عنده " ماء " . والمعنى قائم .

1282 - وأما قوله : " ثم لينثر " وفي حديث ابن شهاب : " فليستنثر " فإنه يقال : نثر واستنثر بمعنى واحد ، وهو دفع ما استنشقه من الماء بريح الأنف .

1283 - وليس في الموطأ حديث هنا بلفظ الاستنشاق ، ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق ، ولفظ الاستنشاق موجود في حديث أبي هريرة ، وفي حديث أبي رزين العقيلي .

1284 - ويؤخذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تمضمض واستنشق " من حديث عثمان ، وعلي ، وعائشة ، وغيرهم .

1285 - ففي حديث أبي هريرة من رواية معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - قال : " إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ثم لينثر " .

[ ص: 39 ] 1286 - وفي حديث أبي رزين العقيلي - واسمه لقيط بن صبرة - قال : " قلت يا رسول الله ! أخبرني عن الوضوء . قال : أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق ، إلا أن تكون صائما " .

[ ص: 40 ] 1287 - وفي حديث سلمة بن قيس ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا استنشقت فانثر ، وإذا استجمرت فأوتر " .

1288 - وأما الاستنثار ففي حديث أبي هريرة ما في الموطأ بإسنادين .

1289 - وروى ابن أبي ذئب ، عن قارظ بن شيبة ، عن أبي غطفان : أنه سمع ابن عباس يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا " .

1290 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث كلها في " التمهيد " .

1291 - وقد جمعها الزهري في حديث عثمان فجود .

1292 - حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب قال ، حدثنا أحمد بن محمد بن المغيرة ، حدثنا عثمان عن شعيب عن الزهري ، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي عن حمران أن عثمان بن عفان دعا [ ص: 41 ] بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلها ثلاث مرات ، ثم أدخل يمينه في الوضوء فمضمض واستنشق واستنثر ، وذكر تمام الحديث .

1293 - واختلف العلماء فيمن ترك الاستنشاق والاستنثار في وضوئه ناسيا أو عامدا : أعاد الوضوء ، وبه قال أبو ثور ، وأبو عبيد في الاستنثار خاصة دون المضمضة ، وهو قول داود في الاستنثار خاصة .

1294 - وكان أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، يذهبون إلى إيجاب المضمضة والاستنشاق في الجنابة دون الوضوء .

1295 - وكان حماد بن أبي سليمان ، وابن أبي ليلى ، وطائفة يوجبونهما في الوضوء والجنابة معا .

1296 - وأما مالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأكثر أهل العلم فإنهم ذهبوا إلى أنه لا فرض في الوضوء واجب إلا ما ذكر الله في القرآن وذلك غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ، ومسح الرأس ، وغسل الرجلين .

1297 - وقد أوضحنا معاني أقوالهم وعيون احتجاج كل واحد منهم فيما تقدم من هذا الباب ، والحمد لله .

1298 - وأما قوله : " ومن استجمر فليوتر " فمعنى الاستجمار : إزالة الأذى من المخرج بالأحجار . والجمار عند العرب : الحجارة الصغار .

1299 - وقد ذكرنا تصريف هذه اللفظة في اللغة وشواهد الشعر على ذلك في التمهيد .

[ ص: 42 ] 1300 - والاستجمار : هو الاستنجاء ، وهو إزالة النجو من المخرج بالماء أو بالأحجار .

1301 - واختلف الفقهاء في ذلك : هل هو فرض واجب أو سنة مسنونة ؟ .

1302 - فذهب مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما إلى أن ذلك ليس بواجب فرضا ، وأنه سنة لا ينبغي تركها . وتاركها مسيء ، فإن صلى كذلك فلا إعادة عليه ، إلا أن مالكا يستحب له الإعادة في الوقت . وعلى ذلك أصحابه .

1303 - وأبو حنيفة يراعي [ أن يكون ] ما خرج عن في المخرج مقدار الدرهم ، على أصله . وسيأتي ذكره في موضعه .

1304 - وقال الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، وداود ، والطبري : الاستنجاء واجب ، ولا تجزئ صلاة من صلى دون أن يستنجي بالأحجار أو بالماء . والمخرج مخصوص بالأحجار عند الجميع .

1305 - ويجوز عند مالك ، وأبي حنيفة ، الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا ذهب النجو ، لأن الوتر يقع على الواحد ، فما فوقه من الوتر عندهم مستحب وليس بواجب .

1306 - وقد روي من حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - " من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج " .

[ ص: 43 ] 1307 - وقد ذكرناه بإسناده في " التمهيد " .

1308 - وقال الشافعي : لا يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وإلى هذا ذهب أبو الفرج المالكي .

1309 - وحجة من قال بهذا القول حديث سلمان الفارسي : " أنه قال له رجل إن صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة . قال : أجل ، نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ، أو نستنجي بأيماننا ، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار " ، وحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - : " أنه كان يأمر بثلاثة أحجار ، وينهى عن الروث ، والرمة " . وهما حديثان ثابتان بإجماع من أهل النقل .

[ ص: 44 ] 1310 - وقال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي : كل ما قام مقام الأحجار من سائر الأشياء الطاهرة فجائز الاستنجاء به ما لم يكن مأكولا .

1311 - وقال مالك ، وأبو حنيفة : إن استنجى بعظم أجزأه ، وبئس ما صنع .

1312 - وقال الشافعي : لا يجزئ لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك .

1313 - وقال الطبري : كل طاهر ، ونجس أزال النجو أجزأ .

1314 - وقال داود ، وأهل الظاهر : لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار الطاهرة .

1315 - ولا فرق عند مالك ، وأبي حنيفة في مخرج البول والغائط بين المعتادات وغير المعتادات : أن الأحجار تجزئ فيها ، وهو المشهور من قول الشافعي .

1316 - وقد روي عن الشافعي : أنه لا يجزئ فيما عدا الغائط والبول إلا الماء ، وكذلك ما عدا المخرج وما حوله مما يمكن التحفظ منه فإنه لا يجزئ فيه الأحجار ولا يجزئ فيه إلا الماء .

1317 - وسيأتي حكم المذي في موضعه إن شاء الله .

1318 - وحكى ابن خواز بنداذ عن مالك وأصحابه أن ما حول المخرج مما لا بد منه في الأغلب والعادة لا يجزئ فيه إلا الماء ، ولم أر عن مالك هذا القياس .

[ ص: 45 ] 1319 - وقالت طائفة من أصحابنا : إن الأحجار تجزئ في مثل ذلك ، لأن ما لا يمكنه التحفظ منه مثل الشعر وما يقرب منه حكمه حكم المخرج .

1320 - واختلف أصحاب الشافعي أيضا : فمنهم من قال تجزئ فيه الأحجار ، ومنهم من أبى ذلك .

1321 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فعلى أصلهم : أن النجاسة تزول بكل ما أزال عينها وأذهبها ، ماء كان ، أو غيره . وقدر الدرهم عندهم معفو عنه أصلا .

1322 - وقال داود : النجاسة بأي وجه زالت أجزأ ، ولا تحد بقدر الدرهم .

1323 - قال مالك : تجوز الصلاة بغير الاستنجاء ، والاستنجاء بالحجارة حسن ، والماء أحب إليه ، ويغسل ما هنالك بالماء من لم يستنج لما يستقبل .

1324 - وقال الأوزاعي : تجوز ثلاثة أحجار ، والماء أطهر .

1325 - ومن جعل من العلماء الاستنجاء واجبا جعل الوتر فيه واجبا ، وسائر أهل العلم يستحبون فيه الوتر .

1326 - وسيأتي ذكر الاستنجاء بالماء عند قول سعيد بن المسيب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث