الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " ولا يؤخذ من امرأة ولا مجنون حتى يفيق ، ولا مملوك حتى يعتق ، ولا صبي حتى ينبت الشعر تحت ثيابه أو يحتلم أو يبلغ خمس عشرة سنة : فيلزمه الجزية كأصحابه " .

قال الماوردي : ذكر الشافعي فيمن تسقط الجزية عنه أربعة أصناف : النساء والمجانين والعبيد والصبيان .

فأما النساء ، فلا جزية عليهم لخروجهن عن المقاتلة ، وتحريم قتلهن عند السبي ، والله تعالى يقول : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ، [ التوبة : 29 ] . وهن غير مقاتلات .

وقد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته بامرأة مقتولة ، فقال : ما بال هذه تقتل وهي لا تقاتل ؟ : فلذلك قلنا : إنه لا جزية عليها ، سواء كانت ذات زوج يؤدي الجزية أو كانت خالية لا تتبع رجلا ، وهكذا الخنثى المشكل لا جزية عليه ، لجواز أن يكون امرأة ، فلو بذلت امرأة من أهل الذمة الجزية عن نفسها لم يلزم لخروجها من أهل الجزية ، فإن دفعتها مختارة جاز قبولها منها ، وتكون هدية لا جزية ، فإن امتنعت من إقباضها لم تجبر على دفعها : لأن الهدايا لا إجبار فيها ، وإذا نزل جيش المسلمين حصنا ، فبذل نساؤه الجزية لم يخل حالهن من أمرين :

أحدهما : أن يكون معهن رجال ، فلا يصح عقد الجزية معهن ، سواء بذلن الجزية من أموالهن أو من أموال رجالهن : لأنهن إن بذلنها من أموالهن ، فلسن من أهل الجزية ، فلا تلزمهن ، وإن بذلنها من أموال رجالهن لم يلزم الرجال بعقد غيرهم .

والثاني : أن ينفرد النساء في الحصن عن رجل مختلط بهن ، ففي انعقاد الجزية معهن منفردات قولان حكاهما أبو حامد الإسفراييني ، وأشار إليهما أبو علي بن أبي هريرة توجيها :

أحدهما : أنه لا تنعقد بهما الذمة لهن لخروجهن من أهل الجزية ، فلم تنعقد [ ص: 308 ] معهم الجزية ، فعلى هذا يصمم أمير الجيش على حصارهن حتى يسبين .

والقول الثاني : تنعقد معهن الذمة بما بذلنه من الجزية ويحرم سبيهن : لأنه لما كان إقرارهن بالجزية تبعا : كان إقرارهن بما بذلنه منفردات أولى ، فعلى هذا ، هل تلزمهن الجزية ببذلهن أم لا ؟ على وجهين أشار إليهما ابن أبي هريرة :

أحدهما : يلزمهن أداؤها بعد إعلامهن عند عقدها أنهن من غير أهلها فإن امتنعن من بذلها بعد لزومها خرجن عن الذمة .

والوجه الثاني : أنه لا يلزمهن أداؤها ، وتكون كالهدية تؤخذ منهن إذا أجبن إليها ، ولا تؤخذ إذا امتنعن منها ، وهل على ذمتهن في حالتي الإجابة والمنع .

وإذا اجتمع الرجال والنساء ، فبذل الرجال الجزية عن أنفسهم ونسائهم نظر .

فإن بذلوها من أموالهم جاز ، ولزمهم ما بذلوه ، وجرى مجرى زيادة بذلوها من جزيتهم ، ولا يؤخذ الرجال إلا بجزية أنفسهم دون نسائهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث