الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من بلغ وأمه نصرانية وأبوه مجوسي أو أمه مجوسية وأبوه نصراني فجزيته جزية أبيه

مسألة : قال الشافعي : " ومن بلغ وأمه نصرانية وأبوه مجوسي أو أمه مجوسية وأبوه نصراني فجزيته جزية أبيه : لأن الأب هو الذي عليه الجزية لست أنظر إلى غير ذلك " .

قال الماوردي : وجملته أنه إذا اختلف حكم أبوي الكافر في حكم كفرهما المتعدي عنهما إلى ولدهما تعلق باختلافهما أربعة أحكام :

أحدها : الجزية .

والثاني : النكاح والذبيحة .

والثالث : عقد الذمة .

والرابع : الدية .

فأما الحكم الأول : وهو الجزية ، فهو أن يكون أبوه نصرانيا له جزية ، وأمه يهودية لقومها جزية أخرى ، فجزية الولد جزية أبيه دون أمه سواء قلت جزية أبيه أو كثرت لأمرين :

أحدهما : أنه داخل في نسب أبيه دون أمه ، فدخل في جزيته دونها .

والثاني : أن الجزية على أبيه دون أمه ، فدخل في جزية من تجب عليه الجزية دون من لا تجب عليه .

وأما الحكم الثاني : وهو استباحة النكاح والذبيحة ، وهو أن يكون أحد أبويه يهوديا ، والآخر مجوسيا ، فينظر .

فإن كان أبوه مجوسيا وأمه نصرانية ، لم تحل ذبيحة الولد ، ولم ينكح إن كان امرأة تغليبا لحكم الحظر ، واعتبارا بلحوق النسب .

وإن كان أبوه نصرانيا وأمه مجوسية ، ففيه قولان :

أحدهما : يعتبر بأبيه واستباحة نكاحه ، وأكل ذبيحته ، تعليلا بلحوق النسب به .

والقول الثاني : يعتبر بأمه في حظر نكاحه ، وتحريم ذبيحته تعليلا لتغليب الحظر على الإباحة .

وأما الحكم الثالث : وهو عقد الذمة ، فهو أن يكون أحد أبويه كتابيا يقر بالجزية ، [ ص: 312 ] والآخر وثنيا لا يقر بالجزية ، فقد اختلف كلام أصحابنا فيه : لأن الشافعي عطف به على استباحة النكاح والذبيحة عطفا مرسلا ، فخرج عن اختلافهم فيه أربعة أوجه :

أحدها : أن يكون في ذمته ودينه ملحقا بأبيه دون أمه اعتبارا بنسبه ، فعلى هذا إن كان أبوه كتابيا ، فهو كتابي يقر بالجزية وإن كان وثنيا فهو وثني لا يقر بالجزية .

والوجه الثاني : أن يكون في دينه ملحقا بأمه دون أبيه اعتبارا بجزيته ورقه في لحوقه بأمه دون أبيه ، ولحدوثه عن اختلاف الدين ، فعلى هذا إن كانت أمه كتابية ، فهو كتابي يقر بالجزية ، وإن كانت وثنية ، فهو وثني لا يقر بالجزية .

والوجه الثالث : أن يلحق بأثبتهما دينا كما يلحق بالمسلم منهما دون الكافر ، فعلى هذا إن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق بأبيه ، وجعل كتابيا يقر بالجزية ، وإن كانت أمه كتابية ، وأبوه وثنيا ألحق بأمه ، وجعل كتابيا يقر بالجزية .

والوجه الرابع : أن يلحق بأغلظهما كفرا : لأن التخفيف رخصة مستثناة ، فعلى هذا أيهما كان في دينه وثنيا ، فهو وثني لا يقر بالجزية سواء كان الوثني منهما أبا أو أما ، وهو ضد الوجه الثالث كما أن الوجه الثاني ضد الوجه الأول .

وأما الحكم الرابع : وهو الدية : إذا قتل ، فهو أن يكون أحد أبويه نصرانيا والآخر مجوسيا ، فهو ملحق في الدية بأكثر أبويه دية سواء كان أبا أو أما ، نص عليه الشافعي في الأم .

والفرق بين الدية والنسب من وجهين :

أحدهما : أن الدية لما اختلفت باختلاف الدين ، ولم تختلف باختلاف النسب ، وكان في الدين ملحقا بالمسلم منهما تغليظا كان في الدية ملحقا بأغلظهما دية .

والثاني : أن ما أوجب ضمان النفوس كان معتبرا بأغلظ الحكمين كالمحرم إذا قتل ما تولد من بين وحشي وأهلي ، أو مأكول ومحظور لزمه الجزاء تغليظا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث