الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " وإن أسلم وقد مضى بعض السنة أخذ منه بقدر ما مضى منها " .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، إذا أسلم الذمي بعد وجوب الجزية عليه لم تسقط بإسلامه .

وقال أبو حنيفة : تسقط عنه بإسلامه استدلالا بقول الله تعالى : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ التوبة : 29 ] . والمسلم لا صغار عليه ، وبقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، [ الأنفال : 38 ] . وقد انتهى بالإسلام ، فوجب أن يغفر له ما سلف من الجزية .

وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الإسلام يجب ما قبله .

وبما روى محارب بن دثار عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا جزية على مسلم ، وهذا نص .

ومن القياس : أنها عقوبة تتعلق بالكفر ، فوجب أن تسقط بالإسلام كالقتال . ولأن الجزية تؤخذ منه صغارا وذلة ، والمسلم لا صغار عليه ، فوجب سقوطها عنه .

ودليلنا : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الزعيم غارم وقد ضمنها ، فوجب أن يلزمه غرمها .

[ ص: 314 ] ومن القياس : أنه مال استقر ثبوته في ذمته ، فوجب أن لا يسقط بإسلامه كالديون .

فإن قيل : يبطل بالزوجين الوثنيين إذا أسلم الزوج منهما قبل الدخول سقط عنه صداقها بإسلامه .

قيل : صداقها إنما بطل بوقوع الفرقة كما يبطل صداقها بالردة ، لوقوع الفرقة ألا ترى أن من تكلم في صلاته ، فبطلت بكلامه حل له الكلام ببطلان الصلاة لا بالكلام ؟

فإن قيل : إنما لم يسقط عنه الدين بإسلامه : لأنه يجوز أن يثبت ابتداؤه في إسلامه ، وسقطت الجزية بإسلامه : لأنه لا يجوز أن يثبت ابتداؤها في إسلامه .

فالجواب عنه : أنه تبطل علة الأصل بالموت : لأنه يمنع من ابتداء الدين ولا يمنع من استدامته ، وتبطل علة الفرع بالاسترقاق ، ويمنع الإسلام من ابتدائه ، ولا يمنع من استدامته ، ولأن الجزية والخراج مستحقان بالكفر ، لما لم يسقط بالإسلام ما وجب من الخراج لم يسقط به ما وجب من الجزية .

وتحريره قياسا : أنه مال مستحق بالكفر ، فلم يسقط ما وجب منه بالإسلام كالخراج ، وعبر عنه بعض أهل خراسان بأن ما وجب على الكافر بالالتزام لم يسقط بالإسلام كالخراج ، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة ، فلم يسقط ما وجب منها بالإسلام كالأجرة .

وأما الجواب عن قوله تعالى : وهم صاغرون ، [ التوبة : 129 ] . فهو أن الصغار علة في الوجوب دون الأداء ، ووجوبها يسقط بالإسلام ، وأداؤها لا يسقط .

وأما الجواب عن قوله تعالى : يغفر لهم ما قد سلف ، [ الأنفال : 38 ] . فهو أن الغفران مختص بالآثام دون الحقوق .

وأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم - : الإسلام يجب ما قبله ، فهو أنه يقطع وجوب ما قبله ، ولا يرفع ما وجب منه .

وأما الجواب عن قوله : لا جزية على مسلم فهو أنه محمول على ابتداء الوجوب دون الاستيفاء .

وأما الجواب عن قياسهم على القتل ، فهو أن الجزية معاوضة ، وليست عقوبة ، ثم هو منتقض بالاسترقاق لا يبطل بالإسلام ، وإن وجب بالكفر ، ثم المعنى في القتل أنه وجب بالإصرار على الكفر ، وقد زال الإصرار بالإسلام ، فلذلك سقط . والجزية وجبت معاوضة عن المساكنة ، وتلك المساكنة لم تنزل ، فلم تسقط بالإسلام .

[ ص: 315 ] وأما الجواب عن قولهم : إنهم صغار ، فهو أنه منتقض بالاسترقاق ، وبالخراج ، ويفسد بالحدود ، وهي عقوبة وإذلال ، ولا تسقط بالعقوبة بعد الوجوب على أن الصغار عليه ، في الوجوب دون الاستيفاء وقد يمنع الإسلام من وجوب ما لا يمنع من استيفائه كذلك الجزية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث