الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " ويشترط عليهم أن من ذكر كتاب الله تعالى أو محمدا - صلى الله عليه وسلم - أو دين الله بما لا ينبغي ، أو زنى بمسلمة ، أو أصابها باسم نكاح ، أو فتن مسلما عن دينه ، أو قطع عليه الطريق ، أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين ، أو آوى عينا لهم : فقد نقض عهده ، وأحل دمه ، وبرئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله عليه الصلاة والسلام ، ويشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في عزير والمسيح ، ولا يسمعونهم ضرب ناقوس ، وإن فعلوا عزروا ولا يبلغ بهم الحد " .

قال الماوردي : وجملته أن المقصود بعقد الجزية تقوية الإسلام ، وإعزازه ، وإضعاف الكفر وإذلاله : ليكون الإسلام أعلى والكفر أخفض ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الإسلام يعلو ولا يعلى ، فكل ما دعا إلى هذا كان الإمام مأمورا باشتراطه عليهم ، وما يؤخذون به من ذلك في عقد جزيتهم ينقسم خمسة أقسام :

أحدها : ما وجب بالعقد دون الشرط .

والثاني : ما وجب بالشرط ، واختلف في وجوبه بالعقد .

والثالث : ما لم يجب بالعقد ، ووجب بالشرط .

والرابع : ما لم يجب بالعقد ، واختلف في وجوبه بالشرط .

[ ص: 317 ] والخامس : ما لم يجب بعقد ولا شرط .

فأما القسم الأول : وهو ما وجب بالعقد ، وكان الشرط فيه مؤكدا لا موجبا فثلاثة أشياء :

أحدها : التزام الجزية ، لقول الله تعالى : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ التوبة : 29 ] . أي يضمنوها .

والثاني : التزام أحكامها بالإسلام فيما أجابوه من المسلمين ، لقوله تعالى : وهم صاغرون والصغار : أن تجري أحكام الإسلام عليهم .

والثالث : أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين ، ليكونوا آمنين منهم كما أمنوهم نقضا لعهدهم ، فلو قاتل المسلمين بعضهم ، وقعد عنهم بعضهم انتقض عقد المقاتل ، ونظر في القاعد ، فإن ظهر منه الرضا كان نقضا لعهده ، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده ، ولو امتنعوا جميعا من بذل الجزية كان نقضا لعهدهم سواء امتنعوا جميعا من التزامها أو من أدائها ، وإن امتنع واحد منهم من بذلها نظر ، فإن امتنع من التزامها كان نقضا لعهده كالجماعة ، وإن امتنع من أدائها مع بقائه على التزامها لم يكن نقضا لعهده ، وأخذت منه بخلاف الجماعة : لأن إجبار الجماعة عليها متعذر ، وإجبار الواحد عليها ممكن .

وقال أبو حنيفة : لا ينتقض عهدهم إذا امتنعوا من أدائها ، وينتقض إذا امتنعوا من بذلها كالآحاد ، وفيما ذكرنا من الفرق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث