الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : ولا يدخلوا مسجدا .

قال الماوردي : وهذا معتبر بعقد الذمة معهم ، فإن شرط فيه أن لا يدخلوا مسجد المسلمين منعوا من دخوله بحكم الشرط ، وإن أغفل شرطه عليهم منعوا من دخوله لأكل ومنام ، لما فيه من استبذالهم له ، وإن لم يمنع منه المسلم : لأن المسلم يعتقد تعظيمه دينا ، والمشرك يرى استبذاله دينا .

وأما دخولها لغير ذلك من سماع القرآن ، وما يعرض فيه من حاجة إلى مسلم ، فيجوز بإذن ويمنعون منه بغير إذن .

قال الله تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [ التوبة : 6 ] . فدلت هذه الآية على إباحة الدخول بعد الإذن .

فإن قدمت وفود المشركين ، فالأولى أن ينزلهم الإمام في غير المساجد ، فإن أراد إنزالهم في المساجد اعتبرت حالهم .

فإن خيف منهم تنجيس المسجد منعوا من نزوله ، وإن أمن منهم تنجيسه نظر [ ص: 329 ] فيه ، إن لم يرج إسلامهم منعوا من نزوله صيانة له من الاستبذال ، وإن رجي إسلامهم عند سماع القرآن جاز إنزالهم فيه .

قد أنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف في المسجد ، فكان سببا لإسلامهم ، وإسلام قومهم .

ولو دعت الضرورة فيمن لم يرج إسلامهم إلى إنزالهم في المسجد لتعذر ما ينزلون فيه ، مستكنين فيه من حر أو برد جاز لأجل الضرورة أن ينزلوا : لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنزل سبي بني قريظة وبني النضير من ضرورة حتى أمر بهم ، فبيعوا . وربط ثمامة بن أثال الحنفي إلى سارية في مسجده .

فأما من يصح منه الإذن ، فلا يخلو أن يكون لمقام أو اجتياز ، فإن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام تزيد على مقام السفر لم يصح الإذن فيه إلا من سلطان ينفذ أمره في الدين أو يجتمع عليه أهل تلك الناحية من المسلمين ، ويكون الإذن مشروطا أن لا يستضر به أحد من المصلين .

وإن كان دخوله لاجتياز أو لبث يسير نظر في المسجد .

فإن كان من الجوامع التي لا يترتب الأئمة فيها إلا بإذن السلطان لم يصح الإذن في دخوله إلا من سلطان : لأنه لما اعتبر إذنه في إمامة الصلاة المفروضة ، كان أولى أن يعتبر فيما أبيح من دخول أهل الذمة .

وإن كان المسجد من مساجد القبائل والعشائر التي يترتب فيها أئمتها بغير إذن السلطان لم يعتبر إذن السلطان في دخوله .

وفي من يصح إذنه وجهان :

أحدهما : كل من صح أمانه لمشرك من رجل وامرأة ، وحر وعبد ، صح إذنه في المسجد : لأن حكم الأمان أغلظ .

الوجه الثاني : أنه لا يصح إلا إذن من كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار ، لما تعلق بهم حق الله تعالى ، والأول أظهر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث