الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " وليس للإمام أن يصالح أحدا منهم على أن يسكن الحجاز بحال ، ولا يبين أن يحرم أن يمر ذمي بالحجاز مارا لا يقيم بها أكثر من ثلاث ليال وذلك مقام مسافر ، لاحتمال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها ولا بأس أن يدخلها الرسل لقوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك الآية ولولا أن عمر - رضي الله عنه - أجل من قدم المدينة منهم تاجرا ثلاثة أيام لا يقيم فيها بعد ثلاث لرأيت أن لا يصالحوا على أن لا يدخلوها ولا يتركوا يدخلونها إلا بصلح كما كان عمر - رضي الله عنه - يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة " .

قال الماوردي : اعلم أن بلاد الإسلام ثلاثة أقسام : حرم ، وحجاز ، وما عداهما .

فأما الحرم ، فهو أشرفها ، لما خصه الله تعالى من بيته الحرام الذي علق عليه الصلاة والحج ، وشرفه بهاتين العبادتين ما ميزه من سائر البلاد بحكمين :

أحدهما : أن لا يدخله قادم إلا محرم بحج أو عمرة .

والثاني : تحريم صيده أن يصاد ، وشجره أن يعضد .

ولما كانت له هذه الحرمة ، فلا يجوز أن يدخله مشرك من كتابي ، ولا وثني لمقام ، ولا اجتياز .

وقال أبو حنيفة : يجوز دخولهم إليه للتجارة وحمل الميرة من غير استيطان ، ويمنعون من الطواف بالبيت ، احتجاجا بأن شرف البقاع لا يمنع من دخولهم إليها كالمساجد ، ولما لم تمنع الجنابة من دخوله لم يمنع منه المشرك .

وقال جابر بن عبد الله ، وقتادة : يجوز أن يقيم فيه الذمي دون الوثني ، والعبد المشرك إذا كان ملكا لمسلم : لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من نصراني بمكة يقال له موهب ، ولا تؤخذ الجزية إلا من مستوطن ، وهذا خطأ ، لقول الله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : 28 ] . وفي قوله : نجس ثلاثة تأويلات :

أحدها : أنهم أنجاس الأبدان ، كنجاسة الكلب والخنزير ، وهذا قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ، حتى أوجب الحسن البصري الوضوء على من ضاجعهم .

والثاني : أنه سماهم أنجاسا لأنهم يجنبون ، فلا يغتسلون ، فصاروا لوجوب الغسل عليهم كالأنجاس ، وإن لم يكونوا أنجاسا ، وهذا قول قتادة .

[ ص: 335 ] والثالث : أنه لما كان علينا أن نجتنبهم كالأنجاس صاروا بالاجتناب في حكم الأنجاس ، وهذا قول جمهور أهل العلم .

وقوله : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : 28 ] . يريد به الحرم ، فعبر عنه بالمسجد ، لحلوله فيه ، كما قال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام [ الإسراء : 1 ] . يريد به مكة : لأنه أسري به من منزل أم هانئ ، وهكذا كل موضع ذكر الله تعالى ، فقال الله المسجد الحرام ، فإنما أراد به الحرم إلا في قوله : فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 144 ] . يريد به الكعبة .

وإذا كان كذلك ، وقد منع أن يقربه مشرك ، وجب أن يكون المنع محمولا على عمومه في الدخول والاستيطان .

وقال تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا [ البقرة : 126 ] . يعني مكة ، وحرمها ، وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا [ البقرة : 126 ] . يعني بمكة ، وهو قبل فتحها ، فدل على تحريمها على الكافر بعد فتحها .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ، وهذا محمول على القصد ، فكان على عمومه ، ولأنه لما اختص الحرم بما شرفه الله تعالى فيه على سائر البقاع تعظيما لحرمته ، كان أولى أن يصان ممن عانده ، وطاعنه ، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر فضائل الأعمال في البقاع ، فضله على غيره ، فقال : صلاة في مسجدي بألف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في مسجدي هذا ، وهذا التفضيل يوجب فضل العبادة .

فأما الجواب عن أخذ الجزية من موهب النصراني بمكة ، فهو أنه قبل نزول هذه الآية : لأنها نزلت سنة تسع .

وأما الجواب عن دخول المساجد ، فهو أن حرمة الحرم أعظم ، لتقدم تحريمه ، ولوجوب الإحرام في دخوله ، وللمنع من قتل صيده .

وأما الجواب عن المسلم الجنب ، فهو أنه لما لم يمنع الجنب والحائض من الاستيطان لم يمنع من الدخول ، والمشرك ممنوع من الاستيطان ، فمنع من الدخول .

فإذا تقرر أنه لا يجوز أن يدخل الحرم مشرك ، وورد المشرك رسولا إلى الإمام ، وهو في الحرم ، خرج الإمام إليه ، ولم يأذن له في الدخول ، فلو دخل مشرك إلى الحرم لم يقتل ، وعزر إن علم بالتحريم ، ولم يعزر إن جهل ، وأخرج ، فإن مات في الحرم لم يدفن فيه ، فلو دفن فيه نبش ، ونقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلي ، فيترك كسائر الأموات في الجاهلية .

[ ص: 336 ] ولو أراد مشرك أن يدخل الحرم ، ليسلم به منع من دخوله ، حتى يسلم ، ثم يدخله بعد إسلامه ، فلو صالح الإمام مشركا على دخول الحرم بمال بذله كان الصلح باطلا ، ويمنع المشرك من الدخول ، فإن دخل إليه أخرج منه ، ولزمه المال الذي بذله مع فساد الصلح ، لحصول ما أراد من الدخول ، واستحق عليه ما سماه دون أجرة المثل ، وإن فسد : لأنه لا أجرة لمثله لتحريمه .

وحد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال .

ومن طريق العراق على ثنية خل بالمقطع على سبعة أميال .

ومن طريق الجعرانة من شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال .

ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال .

ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث