الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخطبتان واجبتان وشرائط الجمعة معتبرة فيهما

مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " فإن خطب بهم وهم أربعون ثم انفضوا عنه ، ثم رجعوا مكانهم صلوا صلاة الجمعة وإن لم يعودوا حتى تباعد أحببت أن يبتدئ الخطبة فإن لم يفعل صلاها بهم ظهرا " .

قال الماوردي : وهذا كما قال .

وأما الخطبتان فواجبتان ، وشرائط الجمعة معتبرة فيهما فلا يجوز أن يخطبهما إلا بعد الزوال ، إذا حضرها أربعون فصاعدا ، ووجب أن الخطبة أربع كلمات ، نذكرها في مواضعها وما سواهن من سننها .

فإن خطب فأتى بواجبات الخطبة أو بعضها ، والعدد أقل من أربعين ، لم يجز أن يصلي بهم الجمعة ، وإن كانوا عند إحرامه أربعين ، حتى يبتدئ الخطبة على أربعين ، ويحرم بالصلاة مع أربعين ، وقال أبو حنيفة : ليس العدد معتبرا في الخطبة ، وإن كان معتبرا في الصلاة ، تعلقا بأن الأذكار التي تتقدم الصلاة لا يشترط فيها الاجتماع كالأذان ، وهذا خطأ .

ودليلنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بحضرة أصحابه ، وقال : " صلوا كما رأيتموني أصلي " : ولأن كل من افتقر إلى حضوره في الصلاة افتقر إلى حضوره في الخطبة كالإمام ، ولأنها أذكار [ ص: 412 ] من شرائط الجمعة ، فوجب إذا اختص بها الإمام أن لا ينفرد بها عن العدد كالقراءة ، ومن هذا الوجه خالفت الأذان ، لأنه إعلام ، فجاز تقدمه قبل حضور العدد ، لحصول الإعلام به ، والخطبة عظة ، فلم يجز تقدمها قبل حضور العدد ، لعدم الاتعاظ بها .

فصل : فإذا وضحت هذه الجملة ، فصورة مسألة الكتاب : أن يخطب بهم وهم أربعون فصاعدا ، ثم ينفضوا عنه ، لعارض من فتنة أو غيرها ، فلهم حالان :

حال : يعودون بعد انفضاضهم .

وحال : لا يعودون ، فإن لم يعودوا صلى الإمام ظهرا أربعا ، وكذلك لو عاد منهم أقل من أربعين صلى بهم ظهرا ، ولم يجز أن يصلي بهم الجمعة : لأن الجمعة لا يصح انعقادها بأقل من أربعين ، وإن عادوا جميعا ، أو عاد منهم أربعون رجلا ، فلهم حالان :

أحدهما : أن يعودوا بعد زمان قريب .

والثاني : أن يعودوا بعد زمان بعيد .

فإن قرب زمان عودتهم بنى على ما مضى ، وصلى بهم جمعة ، ولم يكن الفصل اليسير مانعا من جواز البناء : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوقع في خطبته فصل يسير فإنه كلم سليكا وقتلة ابن أبي الحقيق .

ثم بنى ، ولم يجعل للفصل اليسير حكما ، ولأنه لما لم يكن الفصل اليسير في الصلاة مانعا من البناء عليها ، كان في الخطبة أولى أن لا يمنع من جواز البناء عليها .

فأما إن بعد زمان عودتهم ، اعتبرت ما مضى من واجبات الخطبة ، فلا يخلو من أمرين : إما أن يكون قد مضى جميع الواجبات ، أو قد مضى بعضها ، وبقي بعضها . فإن مضى بعض واجباتها : فغرض الخطبة باق : لأنه لم يأت به ، ولا يجوز له البناء على ما مضى : لأن بعد الزمان قد أبطله كالصلاة ، وعليه أن يستأنف خطبتين ، ويصلي الجمعة ركعتين ، إذا كان الوقت متسعا ، لا يختلف فيه المذهب وإن مضى جميع واجباتها : فقد قال الشافعي ، رضي الله عنه : أحببت أن يبتدئ الخطبة ، وإن لم يفعل صلى بهم ظهرا أربعا .

واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة مذاهب :

أحدها : وهو أصحها وأولاها أن يحمل كلام الشافعي على ظاهره ، فيخطب استحبابا لا واجبا : لأن فرض الخطبة قد أقامه مرة ، فلم يلزمه إقامته ثانية ، فعلى هذا إن لم يخطب صلاها ظهرا أربعا : لأن الخطبة شرط في إقامة الجمعة فإذا لم يلزمه استئناف الخطبة لإتيانه بها ، ولم يجز له البناء على الخطبة المتقدمة لبعد زمانها ، وجب عليه أن يصليها ظهرا أربعا وإن استأنف الخطبة فقد وجب عليه أن يصلي الجمعة ركعتين ، ولم يجز أن يصليها أربعا [ ص: 413 ] وإنما لزمه الجمعة لوجود شرائطها ، وهي الخطبة مع بقاء الوقت وكمال العدد ، فهذا أحد المذاهب الثلاثة ، وبه قال أكثر أصحابنا .

والمذهب الثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج أنه يخطب واجبا لا استحبابا ويصلي الجمعة لا ظهرا : لأن الوقت باق ، والعدد موجود ، قال : وقد أخطأ المزني في نقله عن الشافعي ، رحمه الله في قوله : " أحببت أن يبتدئ الخطبة " . وإنما أوجبت ويصلي بهم جمعة ، قال : وقول الشافعي : " فإن لم يفعل صلى بهم ظهرا أربعا " أراد به : إن لم يعقد حتى خرج الوقت وهذا المذهب وإن كان له وجه ، فالأول أظهر منه ، وقد أخطأ في تخطئته المزني ؛ لأن الربيع هكذا نقل عن الشافعي أنه قال : أحببت ، ولم ينقل عنه أحد " أوجبت " ، فعلم أن المزني لم يخطئ في نقله ، وإنما أخطأ أبو العباس في تأويله .

والمذهب الثالث : أنه إن كان العذر باقيا خطب استحبابا ، وإن زال العذر خطب واجبا ، وهذا القول لا وجه له : لأن ما لم يكن عذرا في سقوط الخطبة ابتداء لم يكن عذرا في سقوطها انتهاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث