الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 373 ] باب تبديل أهل الذمة دينهم

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " أصل ما أبني عليه أن الجزية لا تقبل من أحد دان دين كتابي إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان " .

قال الماوردي : قد مضت هذه المسألة في مواضع شتى ، وذكرنا أن من خالف دين الإسلام من الكفار ينقسمون ثلاثة أقسام :

قسم هم أهل كتاب كاليهود والنصارى ، فتقبل جزيتهم ، وتحل مناكحتهم وذبائحهم .

وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان فلا تقبل جزيتهم ولا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم .

وقسم لهم شبهة كتاب ، فهؤلاء تقبل جزيتهم ، ولا تحل مناكحتهم ، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبا لحكم التحريم .

وإذا كان كذلك صار كمال الحرمة فيهم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى وهؤلاء ضربان :

أحدهما : بنو إسرائيل ، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فبعث الله تعالى نبيه موسى في بني إسرائيل بالتوراة فآمن به جميعهم ، ودعا غيرهم ، فآمن بعضهم ، ودخل بعده في دينه قوم ، ثم بدلوا دينهم حتى عدلوا عن الحق فيه ، وسمي من دخل في دينه اليهود ، فبعث الله تعالى بعده عيسى ابن مريم بالإنجيل إلى بني إسرائيل وغيرهم ، فآمن به بعض بني إسرائيل من اليهود ، وآمن به طوائف من غيرهم ، ثم بدلوا دينهم حتى عدلوا عن الحق فيه ، وسمي من دخل في دينه النصارى ، فبعث الله تعالى بعده محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ، وجعله خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع الأنبياء والمرسلين - فدعا جميع الخلق بعد ابتدائه بقريش : لأنهم قومه ، ثم بالعرب ، ثم بمن عداهم ، فآمن به من هداه الله تعالى من كافة الخلق ، فصارت شريعة الإسلام ناسخة لكل شريعة تقدمتها ، فلم يختلف مذهب الشافعي بعد نسخ جميع الشرائع المتقدمة بالإسلام أن [ ص: 374 ] النصرانية منسوخة بشريعة الإسلام ، واختلف أصحابه في اليهودية بماذا نسخت ، على وجهين :

أحدهما : وهو الأشهر نسخت بالنصرانية ، حيث بعث الله عيسى بالإنجيل .

والوجه الثاني : أنها منسوخة بالإسلام حيث بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن .

فإذا تقررت هذه الجملة ، فكل من كان من اليهود والنصارى من بني إسرائيل فهم مقرون على دينهم تقبل جزيتهم ، وتحل مناكحتهم ، وتؤكل ذبائحهم : لعلمنا بدخولهم في هذين الدينين قبل تبديلهم ، فثبتت لهما حرمة الحق ، فلما خرج أبناؤهم عن الحق بالتنزيل حفظ الله فيهم حرمة إسلامهم ، فأقرهم على دينهم مع تبديلهم ، كما قال تعالى في قصة الجدار : وكان أبوهما صالحا [ الكهف : 82 ] الآية ، فحفظ الله تعالى بينهما صلاح أبيهما ، وقيل : إنه كان الأب السابع حتى أوصلهما إلى كنزهما .

وأما غير بني إسرائيل من اليهود والنصارى ، فينقسمون أربعة أقسام :

أحدها : أن يكونوا قد دخلوا في اليهودية والنصرانية قبل تبديلهم فيكونوا كبني إسرائيل في إقرارهم بالجزية واستباحة مناكحتهم وذبائحهم : لدخول سلفهم في دين الحق .

القسم الثاني : أن يكونوا قد دخلوا فيها بعد التبديل مع غير المبدلين ، فهم كالداخل قبل التبديل في قبول جزيتهم ، وإباحة مناكحتهم وذبائحهم : لأنهم دخلوا فيه مع أهل الحق .

والقسم الثالث : أن يكونوا قد دخلوا فيه بعد التبديل مع المبدلين فيكونوا عن حكم عبدة الأوثان : لأنهم لم يدخلوا في حق : لأن التبديل باطل ، فلا تقبل جزيتهم ، ولا تستباح مناكحتهم ، ولا ذبائحهم ، ويقال لهم ما يقال لعبدة الأوثان : إما الإسلام أو السيف .

والقسم الرابع : أن يقع الشك فيهم : دخلوا قبل التبديل أو بعده ، وهل دخلوا مع المبدلين أو مع غير المبدلين ، فهؤلاء يغلب منهم حكم التحريم في الأحكام الثلاثة ، فتحقن دماؤهم بالجزية تغليبا لتحريمها ، ولا تستباح مناكحتهم ، ولا ذبائحهم تغليبا لتحريمها كما فعل عمر - رضي الله عنه - في نصارى العرب ، حين أشكل عليه أمرهم هل دخلوا في النصرانية ، قبل التبديل أو بعده ، فأمرهم بالجزية حقنا لدمائهم ، وحرم نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ، وجعلهم في ذلك كالمجوس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث