الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحكم في المهادنين والمعاهدين وما أتلف من خمرهم وخنازيرهم وما يحل منه وما يرد

[ ص: 385 ] باب الحكم في المهادنين والمعاهدين وما أتلف من خمرهم وخنازيرهم وما يحل منه وما يرد

قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية ، وأن قول الله عز وجل فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، إنما نزلت فيهم ولم يقروا أن يجري عليهم الحكم ، وقال بعضهم : نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، وهذا أشبه بقول الله عز وجل : وكيف يحكمونك وعندهم التوراة الآية ( قال : ) وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين يجرى عليهم الحكم إذا جاءوه في حد لله تعالى ، وعليه أن يقيمه لما وصفت من قول الله تعالى وهم صاغرون ( قال المزني ) - رحمه الله - : هذا أشبه من قوله في كتاب الحدود لا يحدون وأرفعهم إلى أهل دينهم " .

قال الماوردي : وقد مضت هذه المسألة في مواضع شتى .

وجملته أن من خالف دين الإسلام من أهل الأمان صنفان : أهل ذمة وأهل عهد ، فأما أهل العهد إذا تحاكموا إلينا ، فحاكمنا بالخيار بين أن يحكم بينهم ، وبين أن يمتنع : لقول الله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم [ المائدة : 42 ] . فلم يختلف أهل العلم أنها نزلت فيمن وادعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يهود المدينة قبل فرض الجزية ، فكانوا أهل عهد لا ذمة لهم ، واختلف فيها هل نزلت عامة أو على سبب ، فالذي عليه قول الأكثرين أنها نزلت عامة : لغير سبب .

وقال بعضهم : بل نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، فكان سببها خاصا وحكمها عاما ، فإن حكما حاكمنا بينهم كانوا مخيرين بين التزامه ، وبين رده .

فإن قيل : فقد رجم اليهوديين الزانيين بغير اختيارهما : لأنهما أنكرا الرجم .

قيل لهم : كان الإنكار لوجوب الرجم في الشرع ، ولم يكن ذلك امتناعا من التزام حكمه .

وأما أهل الذمة ، ففي وجوب الحكم إذا تحاكموا إلينا قولان :

أحدهما : أنهم كأهل العهد يكون حاكمنا في الحكم بينهم مخيرا ، وهم في [ ص: 386 ] التزامه إذا حكم بينهم مخيرين : لعموم الآية ، لاشتراك الفريقين في المخالفة .

والقول الثاني : وهو أصح اختاره المزني : أنه يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم ، ويجب إذا حكم أن يلتزموا حكمه عليهم : لقول الله تعالى : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ التوبة : 29 ] . والصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام : ولأنهم قد صاروا بالذمة تبعا للمسلمين فجرت عليهم أحكامهم .

فإن كان التحاكم بين مسلم ومعاهد ، أو بين مسلم وذمي ، وجب الحكم بينهما ، سواء كان المسلم طالبا أو مطلوبا : لأن كل واحد منهما يدعو إلى دينه ، ودين الإسلام هو الحق المطاع .

ولو كان التحاكم بين ذمي ومعاهد لم يجز قولا واحدا تغليبا لحكم الإسقاط .

ولو كان بين ذميين من دينين كيهودي ونصراني فعلى وجهين :

أحدهما : أنهما فيه سواء : لأن جميع الكفر ملة واحدة ، فيكون على الوجهين .

والقول الثاني : وهو قول أبي هريرة : أنه يجب الحكم بينهما قولا واحدا ، ويجب عليهما التزامه : لأن اختلاف معتقدهما يوجب قطع التنازع بينهما بالحق .

فأما إن كان المتحاكمان من ملة واحدة على مذهبين مختلفين : أحدهما نسطوري ، والآخر يعقوبي ، فالمعتبر فيه اجتماعهما على أصل الدين ، وهو واحد ، فصارا فيه كالمذهب الواحد : لأن دينهما واحد .

فلو قلد الإمام على أهل الذمة حاكما منهم كان حكمه غير لازم لهم ، وكان فيه كالمتوسط بينهم .

وقال أبو حنيفة : ينفذ حكمه عليهم : لأنهم يلتزمون أحكام شرعهم ، وهذا فاسد من وجهين :

أحدهما : أن صحة المعتقد شرط في نفوذ الحكم ، ومعتقده باطل .

والثاني : أن صحة الحكم شرط في نفوذه ، وحكمهم باطل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث