الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي - رحمه الله - تعالى : " وإذا أرسل أحببت له أن يسمي الله تعالى فإن نسي فلا بأس : لأن المسلم يذبح على اسم الله " .

قال الماوردي : التسمية على الصيد والذبيحة سنة ، وليست بواجبة ، فإن تركها عامدا أو ناسيا ، حل أكله .

وبه قال من الصحابة عبد الله بن عباس ، وأبو هريرة .

ومن الفقهاء عطاء ، ومالك .

[ ص: 11 ] وقال الشعبي ، وداود ، وأبو ثور : التسمية واجبة ، فإن تركها عامدا أو ناسيا حرم الأكل .

وقال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وإسحاق بن راهويه : تجب مع الذكر ، تسقط مع النسيان : فإن تركها عامدا حرم ، وإن تركها ناسيا حل : استدلالا بقول الله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق [ الأنعام : 121 ] وهذا نص ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي وأبي ثعلبة الخشني : إذا أرسلت كلبك المكلب ، وذكرت اسم الله عليه ، فكل فعلق الإباحة بشرطين ، فلم يجز أن يتعلق بأحدهما : ولأنه لما كان من شرط الذكاة أن يكون المذكي من أهل التسمية ، فحلت ذكاة المسلم والكتابي : لأنه من أهلها . ولم تحل ذكاة المجوسي ، والوثني : لأنه ليس من أهلها ، كانت التسمية أولى أن تكون من شرط الذكاة : لأنه حرمة أهلها بها .

وبعكسه لما لم تكن التسمية شرطا في صيد السمك لم تكن من شرط صائده أن يكون من أهل التسمية من مجوسي ووثني كما حل صيد من كان من أهلها من مسلم وكتابي .

ودليلنا قول الله تعالى : وما أكل السبع إلا ما ذكيتم [ المائدة : 3 ] فكان على عمومه ، وإن قيل : فالتسمية هي الذكاة ؛ كان فاسدا من وجهين :

أحدهما : أن التسمية قول والذكاة فعل ، فافترقا .

والثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الذكاة ، فقال : في الحلق واللبة ، وقال تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [ المائدة : 5 ] يعني ذبائحهم . والظاهر الغالب من أحوالهم أنهم لا يسمون عليها ، فدل على إباحتها .

وروى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم .

وروى أبو هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح ، وينسى أن يسمي الله تعالى ، فقال : اسم الله على قلب كل مسلم .

وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما يأتون بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ، فقال : اذكروا اسم الله عليه ، ثم كلوه .

وأباح الذبيحة من غير تسمية ، والتسمية عند الأكل لا تجب فدل على أنها مستحبة .

[ ص: 12 ] وروى أبو العشراء الدارمي عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتردية من الإبل في بئر لا نصل إلى منحرها .

فقال : وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك
فعلق الإجزاء بالعقود دون التسمية . فدل على الإباحة .

وقال صلى الله عليه وسلم : ما أنهر الدم ، وفرى الأوداج ، فكل : ولأن ما يوجد فيه فعل الذكاة ، لم يحرم بترك التسمية كالناسي : ولأن ما لم تحرم به ذكاة الناسي لم تحرم به ذكاة العامد كالأخرس : ولأن ما لم يكن للذكر شرط في انتهائه لم يكن شرطا في ابتدائه كالطهارة طردا والصلاة عكسا ، ولأن ما لم يكن شرطا في الذكاة مع النسيان ، لم يكن شرطا فيها مع الذكر كالصلاة على النبي : ولأن الحوت يستباح بتاركها كما يحل الصيد بذكاته ، فلما لم تكن التسمية شرطا في استباحة الحوت لم تكن شرطا في استباحة غيره .

فأما الجواب عن الآية فمن وجهين :

أحدهما : أنه حقيقة الذكر بالقلب : لأن ضده النسيان المضاف إلى القلب ، فيكون محمولا على من لم يوحد الله من عبدة الأوثان .

ألا ترى إلى قوله تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم [ الأنعام : 121 ] والمشركون هم أولياء الشياطين دون المسلمين .

والثاني : محمول على الميتة : لأمرين :

أحدهما : قوله تعالى : وإنه لفسق [ الأنعام : 121 ] وذكاة ما لم يسم عليه لا تكون فسقا .

والثاني : أن قوما من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تأكلون ما قتلتموه ولا تأكلون ما قتله الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وأما الجواب عن الخبر من وجهين :

أحدهما : أن نطق الخبر إباحة الأكل مع التسمية ، ودليل خطابه متروك عندنا بدليل ومتروك عنده بغير دليل : لأنه لا يجعل إثبات الشيء دليلا على نفي ما عداه .

والثاني : أنه محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه .

والجواب عما استدل به من ذكاة المجوسي والوثني : لأنه ليس من أهل التسمية ، وهو أنه ليس لهذا المعنى حرم ذكاته ، ولكن لتغليظ كفره ، ولذلك حرمت مناكحته ، وإن لم تكن التسمية شرطا في النكاح .

وأما صيد السمك فلا يعتبر فيه فعل آدمي ، وذلك حل إذا مات بغير سبب ، وعند [ ص: 13 ] أبي حنيفة إذا كان بسبب ، فلذلك حكم على عموم الأحوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث