الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ العمل بالقياس مركوز في فطر الناس ]

وفهمت من قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } إرادة النهي عن جميع [ ص: 167 ] أنواع الأذى بالقول والفعل ، وإن لم ترد نصوص أخرى بالنهي عن عموم الأذى ، فلو بصق رجل في وجه والديه وضربهما بالنعل وقال : إني لم أقل لهما أف لعده الناس في غاية السخافة والحماقة والجهل من مجرد تفريقه بين التأفيف المنهي عنه وبين هذا الفعل قبل أن يبلغه نهي غيره ، ومنع هذا مكابرة للعقل والفهم والفطرة .

فمن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده ، والألفاظ لم تقصد لذواتها ، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم ، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه ، سواء كان بإشارة ، أو كتابة ، أو بإيماءة أو دلالة عقلية ، أو قرينة حالية ، أو عادة له مطردة لا يخل بها ، أو من مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته وأنه يمتنع منه إرادة ما هو معلوم الفساد وترك إرادة ما هو متيقن مصلحته ، وأنه يستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله وشبهه ، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه ، فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا ويكره هذا ، ويحب هذا ويبغض هذا .

وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه ؟ ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله ، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه ، لما لا يوجد في كلامه صريحا ، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة .

[ العبرة بإرادة التكلم لا بلفظه ]

وهذا أمر يعم أهل الحق والباطل ، لا يمكن دفعه فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة ، فإذا دعي إلى غداء فقال : والله لا أتغدى ، أو قيل له : " نم " فقال : والله لا أنام ، أو : " اشرب هذا الماء " فقال : والله لا أشرب ، فهذه كلها ألفاظ عامة نقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي العام إلى آخر العمر ، والألفاظ ليست تعبدية ، والعارف يقول : ماذا أراد ؟ واللفظي يقول : ماذا قال ؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : { ماذا قال آنفا } ، وقد أنكر الله - سبحانه - عليهم وعلى أمثالهم بقوله : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } ، فذم من لم يفقه كلامه ، والفقه أخص من الفهم ، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه ، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة ، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم .

وقد كان الصحابة يستدلون على إذن الرب - تعالى - وإباحته بإقراره وعدم إنكاره عليهم [ ص: 168 ] في زمن الوحي ، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ ، بل بما عرف من موجب أسمائه وصفاته وأنه لا يقر على باطل حتى يبينه .

وكذلك استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة بما عرفته من حكمة الرب - تعالى - وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يخزي محمدا صلى الله عليه وسلم ; فإنه يصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ، وإن من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ، ولا يسلط عليه الشيطان ، وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة ، بل استدلال على صحتها وثبوتها في حق من هذا شأنه ، فهذا معرفة منها بمراد الرب - تعالى - وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته المحسن بإحسانه ، وأنه لا يضيع أجر المحسنين .

وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له ، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده ، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعدل عنه إلى غيره ألبتة .

[ بم يعرف مراد المتكلم ؟ ]

والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه ، وتارة من عموم علته ، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر ، وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم ، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها ، وهضمها تارة وتحميلها فوق ما أريد بها تارة ، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين .

ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره ، فنقول :

[ بعض الأغلاط التي وقع فيها أهل الألفاظ وأهل المعاني ]

قال الله - تعالى - : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } ، فلفظ الخمر عام في كل مسكر ، فإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها تقصير به وهضم لعمومه ، بل الحق ما قاله صاحب الشرع : كل مسكر خمر ، وإخراج بعض أنواع الميسر عن شمول اسمه لها تقصير أيضا به ، وهضم لمعناه ، فما الذي جعل النرد الخالي عن العوض من الميسر وأخرج الشطرنج عنه ، مع أنه من أظهر أنواع الميسر كما قال غير واحد من السلف إنه ميسر ؟ وقال علي - كرم الله وجهه - : هو ميسر العجم .

وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله فكما حمل لفظ قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا [ ص: 169 ] تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ، وقوله في آية البقرة : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } مسألة العينة التي هي ربا بحيلة وجعلها من التجارة ، ولعمر الله إن الربا الصريح تجارة للمرابي وأي تجارة ، وكما حمل قوله تعالى : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } على مسألة التحليل وجعل التيس المستعار الملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلا في اسم الزوج ، وهذا في التجاوز يقابل الأول في التقصير .

ولهذا كان معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وأخيته التي يرجع إليها ، فلا يخرج شيئا من معاني ألفاظه عنها ، ولا يدخل فيها ما ليس منها ، بل يعطيها حقها ، ويفهم المراد منها .

ومن هذا لفظ الأيمان والحلف ، أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي يلتزم صاحبها بها إيجاب شيء أو تحريمه ، وأدخلت طائفة فيها التعليق المحض الذي لا يقتضي حضا ولا منعا ، والأول نقص من المعنى ، والثاني تحميل له فوق معناه .

ومن ذلك لفظ الربا ، أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا له كبيع الشيرج بالسمسم والدبس بالعنب والزيت بالزيتون ، وكل ما استخرج من ربوي وعمل منه بأصله ، وإن خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته ، وهذا لا دليل عليه يوجب المصير إليه لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ميزان صحيح ، وأدخلت فيه من مسائل مد عجوة ما هو أبعد شيء عن الربا . وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصحيح حقيقة قصدا وشرعا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا الصريح ، ومفسدة الربا البحت الذي لا يتوصل إليه بالسلاليم أقل بكثير ، وأخرجت منه طائفة بيع الرطب بالتمر وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه ، فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المآل ، وحقيقة الربا في الحيل الربوية أكمل وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه .

ومن ذلك لفظ البينة ، قصرت بها طائفة ، فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادة العبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله ، وشهادة النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات ، وشهادة الزوج في اللعان إذا نكلت المرأة ، وأيمان المدعين الدم إذا ظهر اللوث ، ونحو ذلك مما يبين الحق أعظم من بيان الشاهدين ، وشهادة القاذف ، وشهادة الأعمى على ما يتيقنه ، وشهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم ، وشهادة الحال في تداعي الزوجين متاع البيت وتداعي النجار والخياط آلتهما ونحو ذلك . وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال [ ص: 170 ] الذي لا يعرف بعدالة ولا فسق ، وشهادة وجوه الأجر ومعاقد القمط ونحو ذلك . والصواب أن كل ما بين الحق فهو بينة ، ولم يعطل الله ولا رسوله حقا بعدما تبين بطريق من الطرق أصلا ، بل حكم الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضح بأي طريق كان وجب تنفيذه ونصره ، وحرم تعطيله وإبطاله ، وهذا باب يطول استقصاؤه ، ويكفي المستبصر التنبيه عليه ، وإذا فهم هذا في جانب اللفظ فهم نظيره في جانب المعنى سواء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث