الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الحج

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] كتاب الحج 811 - مسألة :

[ قال أبو محمد ] : الحج إلى مكة ، والعمرة [ إليها ] فرضان على كل مؤمن ، عاقل ، بالغ ، ذكر ، أو أنثى ، بكر ، أو ذات زوج . الحر والعبد ، والحرة والأمة ، في كل ذلك سواء ، مرة في العمر إذا وجد من ذكرنا إليها سبيلا ، وهما أيضا على أهل الكفر إلا أنه لا يقبل منهم إلا بعد - الإسلام ، ولا يتركون ودخول الحرم حتى يؤمنوا .

أما قولنا بوجوب الحج - على المؤمن العاقل البالغ الحر ، والحرة التي لها زوج أو ذو محرم يحج معها مرة في العمر - فإجماع متيقن ، واختلفوا في المرأة ، لا زوج لها ولا ذا محرم ، وفي الأمة والعبد ، وفي العمرة - : برهان صحة قولنا - : قول الله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فعم تعالى ولم يخص .

وقال عز وجل : { وأتموا الحج والعمرة لله } .

وقال قوم : العمرة ليست فرضا واحتجوا بما رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة عن ابن المنكدر عن جابر { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أفريضة هي ؟ قال : لا ، وأن تعتمر خير لك } . [ ص: 4 ]

وبما رويناه عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح ماهان الحنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم : { الحج جهاد والعمرة تطوع } .

ومن طريق يحيى بن أيوب عن عبد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر { قلت : يا رسول الله العمرة فريضة كالحج ؟ قال : لا ، وأن تعتمر خير لك } .

ومن طريق حفص بن غيلان عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من مشى إلى صلاة مكتوبة فهي كحجة ، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة تامة } . [ ص: 5 ]

ومن طريق يحيى بن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من مشى إلى مكتوبة فأجره كأجر الحاج ، ومن مشى إلى تسبيح الضحى فأجره كأجر المعتمر } .

ومن طريق محاضر بن المورع عن الأحوص بن حكيم عن عبد الله بن حكيم عن عبد الله بن عابر الألهاني عن عتبة بن عبد السلمي ، وعن أبي أمامة الباهلي كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صلى في مسجد جماعة ثم ثبت فيه سبحة الضحى كان كأجر حاج ومعتمر } .

ومن طريق عبد الباقي بن قانع حديثا فيه عمر بن قيس عن طلحة بن موسى ، عن عمه إسحاق بن طلحة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { الحج جهاد والعمرة تطوع } .

ومن طريق ابن قانع عن أحمد بن محمد بن بحير العطار عن محمد بن بكار عن محمد بن الفضل ابن علية عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : { الحج جهاد والعمرة تطوع } .

ومن طريق عبد الباقي بن قانع نا بشر بن موسى نا ابن الأصبهاني نا جرير وأبو الأحوص عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : { الحج جهاد والعمرة تطوع } . [ ص: 6 ] وقالوا : قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة } .

وروى أبو داود نا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا : نا زيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس قال { : يا رسول الله الحج في كل عام أم مرة واحدة ؟ قال : بل مرة واحدة فما زاد فتطوع } قالوا : فقد صح أنه لا يلزم إلا حجة واحدة ، فالعمرة تطوع لدخولها في الحج ، وقالوا : قول الله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة } لا يوجب كونها فرضا ، وإنما يوجب إتمامها على من دخل فيها لا ابتداءها ; لكن كما تقول : أتم الصلاة التطوع ، والصوم التطوع .

وقالوا : لما كانت العمرة غير مرتبطة بوقت وجب أن لا تكون فرضا - : وروينا عن إبراهيم النخعي ، والشعبي : أنها تطوع ؟ قال أبو محمد : هذا كل ما موهوا به وكله باطل ، أما الأحاديث التي ذكروا فمكذوبة كلها ; أما حديث جابر فالحجاج بن أرطاة ساقط لا يحتج به .

والطريق الأخرى أسقط وأوهن ; لأنها من طريق يحيى بن أيوب - وهو ضعيف عن العمري الصغير - وهو ضعيف .

وأما حديث أبي صالح ماهان الحنفي فهو مرسل - وماهان هذا ضعيف كوفي . [ ص: 7 ]

وأما حديث أبي أمامة فأحد طرقه عن حفص بن غيلان - وهو مجهول عن مكحول عن أبي أمامة ولم يسمع مكحول من أبي أمامة شيئا .

والأخرى من طريق القاسم أبي عبد الرحمن - وهو ضعيف . والثالثة - من طريق ابن المورع وهو ضعيف عن الأحوص بن حكيم وهو ساقط عن عبد الله بن عابر ، وهو مجهول ; وهو حديث منكر ظاهر الكذب ; لأنه لو كان أجر العمرة كأجر من مشى إلى صلاة تطوع لما كان - لما تكلفه النبي صلى الله عليه وسلم من القصد إلى العمرة إلى مكة من المدينة - معنى ، ولكان فارغا - ونعوذ بالله من هذا .

وأما حديث طلحة فمن طريق عبد الباقي بن قانع ، وقد أصفق أصحاب الحديث على تركه ، وهو راوي كل بلية وكذبة ; ثم فيه عمر بن قيس سندل وهو ضعيف .

وأما حديث ابن عباس فمن طريق عبد الباقي بن قانع ويكفي ; ثم هو عن ثلاثة مجهولين في نسق لا يدرى من هم .

وأما حديث أبي هريرة فكذب بحت من بلايا عبد الباقي بن قانع التي انفرد بها والناس رووه مرسلا من طريق أبي صالح ماهان كما أوردنا قبل فزاد فيه أبا هريرة ، وأوهم أنه صالح السمان - فسقطت كلها ولله الحمد .

ولو شئنا لعارضناهم بما رويناه من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الحج والعمرة : فريضتان واجبتان } ولكن يعيذنا الله عز وجل ، ومعاذ الله والشهر الحرام من أن نحتج بما ليس حجة ; ولكن ابن لهيعة إذا روى ما يوافقهم صار ثقة وإذا روى ما يخالفهم صار ضعيفا ; والله ما هذا فعل من يوقن أنه محاسب بكلامه في دين الله تعالى ؟ قال أبو محمد : وعهدنا بهم يقولون : إن الصاحب إذا روى خبرا وتركه كان ذلك دليلا على ضعف ذلك الخبر . [ ص: 8 ]

وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا سفيان هو ابن عيينة - عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه قال { : الحج والعمرة واجبتان } .

وبه نصا إلى سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أنه قال في الحج والعمرة : إنها لقرينتها في كتاب الله وهذا عن ابن عباس من طرق في غاية الصحة أنها واجبة كوجوب الحج .

ونا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا إبراهيم بن محمد الدينوري نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو قلابة نا الأنصاري هو محمد بن عبد الله القاضي - أنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : ليس مسلم إلا عليه حجة وعمرة { من استطاع إليه سبيلا } .

قال أبو محمد : فلو صح ما رووا من الكذب الملفق لوجب على أصولهم الخبيثة المفتراة إسقاط كل ذلك إذا كان ابن عباس وجابر رويا تلك الأخبار بزعمهم قد صح عنهما خلافها ، ولكن القوم متلاعبون كما ترون ، ونعوذ بالله من الخذلان .

قال أبو محمد : ثم لو صحت كلها - ومعاذ الله من أن يصح الباطل والكذب - لما كانت لهم في شيء منها حجة - .

لما حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني نا خالد هو ابن الحارث - نا شعبة قال : سمعت النعمان بن سالم قال : سمعت عمرو بن أوس يحدث عن { أبي رزين العقيلي أنه قال : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال : فحج عن أبيك واعتمر } .

فهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء فرض الحج والعمرة عمن لا يطيقهما ; فهذا حكم [ ص: 9 ] زائد وشرع وارد ; وكانت تكون تلك الأحاديث موافقة لمعهود الأصل فإن الحج والعمرة قد كانا بلا شك تطوعا لا فرضا فإذا أمر بهما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد بطل كونهما تطوعا بلا شك وصارا فرضين ، فمن ادعى بطلان هذا الحكم وعودة المنسوخ فقد كذب وأفك وافترى ; وقفا ما ليس له به علم ; فبطل كل خبر مكذوب موهوا به لو صح فكيف وكلها باطل ؟ وأما قول من قال : إن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بدخول العمرة في الحج ، وبأنه ليس على المرء إلا حجة واحدة دليل على أنها ليست فرضا فهذيان لا يعقل ; بل هذا برهان واضح في كون العمرة فرضا ; لأنه عليه السلام أخبر بأنها دخلت في الحج ; ولا يشك ذو عقل في أنها لم تصر حجة ; فوجب أن دخولها في الحج إنما هو من وجهين فقط - : أحدهما :

أنه يجزى لهما عمل واحد في القران .

والثاني : دخولها في أنها فرض كالحج . فإن قالوا : قد جاء أنها الحج الأصغر ؟ قلنا لو صح هذا لكان حجة لنا ; لأن القران [ قد ] جاء بإيجاب الحج فكانت حينئذ تكون فرضا بنص قوله تعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } لكنا لا نستحل التمويه بما لا يصح ، مع أن الخبر الذي ذكروا عن ابن عباس لا حجة لهم فيه ; لأن راويه أبو سنان الدؤلي وقد قال فيه عقيل : سنان هو مجهول غير معروف ، وأيضا : فإنهم كذبوا فيه وحرفوه وأوهموا أن فيه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه { ليس على المرء إلا حجة واحدة } ليس هذا في ذلك الخبر أصلا وإنما فيه أن الحج مرة واحدة وهذا لا يمنع من وجوب العمرة : إما مع الحج مقرونة ، وإما معه في عام واحد ; فصار حجة لنا عليهم . [ ص: 10 ]

وأما قولهم : إن الله تعالى إنما أمر بإتمامها من دخل فيها لا بابتدائها ، وأن بعض الناس قرأ : { والعمرة لله } بالرفع فقول كله باطل ; لأنها دعوى بلا برهان وقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } لا يقتضي ما قالوا وإنما يقتضي وجوب المجيء بهما تامين وحتى لو صح ما قالوه لكان حجة عليهم ; لأنه إذا كان الداخل فيها مأمورا بإتمامها فقد صارت فرضا مأمورا به ; وهذا قولنا لا قولهم الفاسد المتخاذل - وابن عباس حجة في اللغة .

وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال : سمعت ابن عباس يقول : والله إنها لقرينتها في كتاب الله عز وجل : { وأتموا الحج والعمرة لله } فابن عباس يرى هذا النص موجبا لكونها فرضا كالحج بخلاف كيس هؤلاء الحذاق باللغة بالضد ، وبهذا احتج مسروق ، وسعيد بن المسيب ، وعلي بن الحسين ، ونافع في إيجابها ; ومسروق ; وسعيد حجة في اللغة .

فإن قالوا : أنتم تقولون : بهذا في الحج التطوع ، والعمرة التطوع ؟ قلنا : لا بل هما تطوع غير لازم جملة إن تمادى فيهما أجر ، وإلا فلا حرج ولو كان غير هذا لكان الحج يتكرر فرضه مرات ، وهذا خلاف حكم الله تعالى في أنه لا يلزم إلا مرة واحدة في الدهر .

فإن قالوا : فإنكم تقولون : بإتمام النذر ، وإتمام قضاء صوم التطوع على من أفطر فيه ؟ قلنا : نعم ; لأن كل ذلك صار فرضا زائدا بأمر الله تعالى بذلك وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فإنما الحج فرض مرة واحدة على من لم ينذره لا على من نذره ; بل هو على من نذره فرض آخر لا نضرب أوامر الله تعالى بعضها ببعض بل نضم بعضها إلى بعض ونأخذ بجميعها .

وأما القراءة { والعمرة لله } بالرفع فقراءة منكرة لا يحل لأحد أن يقرأ بها ، وسبحان من جعلهم يلجئون إلى تبديل القرآن فيحتجون به ؟ وأما قولهم : لو كانت فرضا لكانت مرتبطة بوقت ؟ فكلام سخيف لم يأت به قط قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولا قول صاحب ولا إجماع ولا قياس يعقل ، وهم موافقون لنا على أن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض ولو مرة في الدهر وليست مرتبطة [ ص: 11 ] بوقت ، وأن النذر فرض وليس مرتبطا بوقت ، وأن قضاء رمضان فرض وليس مرتبطا بوقت ، والإحرام للحج عندهم فرض وليس عندهم مرتبطا بوقت ، فظهر هوس ما يأتون به ؟ قال أبو محمد : روينا من طريق ابن أبي شيبة نا عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي - عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن ثابت قال فيمن يعتمر قبل أن يحج : نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت .

ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج أخبرني نافع مولى ابن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول : ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا ومن زاد بعدهما شيئا فهو خير وتطوع .

ومن طريق أبي إسحاق عن مسروق عن ابن مسعود قال : أمرتم بإقامة الصلاة ، والعمرة إلى البيت ; وقد ذكرناه آنفا عن جابر ، وابن عباس .

ومن طريق قتادة قال عمر بن الخطاب : يا أيها الناس كتبت عليكم العمرة .

وعن أشعث عن ابن سيرين قال : كانوا لا يختلفون أن العمرة فريضة ، وابن سيرين أدرك الصحابة وأكابر التابعين .

وعن معمر عن قتادة قال : العمرة واجبة .

ومن طريق سفيان الثوري ، ومعمر عن داود بن أبي هند قلت لعطاء : العمرة علينا فريضة كالحج ؟ قال : نعم .

وعن يونس بن عبيد عن الحسن ، وابن سيرين جميعا العمرة واجبة - وعن طاوس العمرة واجبة .

وعن سعيد بن جبير العمرة واجبة ; فقيل له : إن فلانا يقول : ليست واجبة ، فقال : كذب إن الله تعالى يقول : { وأتموا الحج والعمرة لله } .

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي قال : سمعت [ ص: 12 ] مسروقا يقول أمرتم في القرآن بإقامة أربع : الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والعمرة - قال أبو إسحاق : وسمعت عبد الله بن شداد يقول : العمرة الحج الأصغر . وعن سعيد بن المسيب إنما كتبت علي عمرة ، وحجة . وعن مجاهد : الحج والعمرة فريضتان ; وعن منصور عن مجاهد العمرة الحجة الصغرى ، وعن علي بن الحسين أنه سئل عن العمرة ؟ فقال : ما نعلمها إلا واجبة { وأتموا الحج والعمرة لله } . وعن حماد بن زيد عن عبد الرحمن بن السراج قال : سألت هشام بن عروة ، ونافعا مولى ابن عمر عن العمرة أواجبة هي ؟ - فقرأ جميعا : { وأتموا الحج والعمرة لله } .

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا مغيرة هو ابن مقسم - عن الشعبي أنه قال في العمرة : هي واجبة - وعن شعبة عن الحكم قال : العمرة واجبة .

قال أبو محمد : وهو قول سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي سليمان ، وجميع أصحابهم .

وقال أبو حنيفة ، ومالك : ليست فرضا ، والقوم يعظمون خلاف الصاحب الذي لا يعرف له مخالف ، وهم قد خالفوا هاهنا عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلاف لهم في هذا إلا رواية ساقطة من طريق أبي معشر عن إبراهيم أن عبد الله قال : العمرة تطوع ، والصحيح عنه خلاف هذا كما ذكرنا .

وعهدنا بهم يعظمون خلاف الجمهور ، وقد خالفوا [ هاهنا ] عطاء ، وطاوسا ، ومجاهدا ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سيرين ، ومسروقا ، وعلي بن الحسين ، ونافعا مولى ابن عمر ، وهشام بن عروة ، والحكم بن عتيبة ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، وقتادة وما نعلم لمن قال : ليست واجبة سلفا ، من التابعين إلا إبراهيم النخعي [ ص: 13 ] وحده ; ورواية عن الشعبي قد صح عنه خلافها كما ذكرنا - وتوقف في ذلك حماد بن أبي سليمان .

قال أبو محمد : وموه بعضهم بحديثين هما من أعظم الحجة عليهم - : أحدهما : الخبر الثابت في الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ؟ فأخبره بالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ; فقال : هل علي غيرها يا رسول الله ؟ قال : لا إلا أن تطوع . والثاني :

خبر ابن عمر { بني الإسلام على خمس } فذكر شهادة التوحيد ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج .

قال أبو محمد : وهما - أقوى ، حججنا عليهم لصحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة } فصح أنها واجبة بوجوب الحج ، وأن فرضها دخل في فرض الحج .

وأيضا : فحتى لو لم يأت هذا الخبر لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وورود القرآن بها شرعا زائدا وفرضا واردا مضافا إلى سائر الشرائع المذكورة ; وكلهم يرى النذر فرضا ، والجهاد إذا نزل بالمسلمين فرضا ; وغسل الجنابة فرضا ، والوضوء فرضا ، وليس ذلك مذكورا في الحديثين المذكورين ولم يروا الحديثين المذكورين حجة في سقوط فرض كل ما ذكرنا ، فوضح تناقضهم وفساد مذهبهم في ذلك - والحمد لله رب العالمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث