الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة مات وهو مستطيع للحج

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

818 - مسألة :

ومن مات وهو مستطيع بأحد الوجوه التي قدمنا حج عنه من رأس ماله واعتمر ولا بد مقدما على ديون الناس إن لم يوجد من يحج عنه تطوعا سواء أوصى بذلك أو لم يوص بذلك - وقال أبو حنيفة ، ومالك : لا يحج عنه إلا أن يوصي بذلك فيكون من الثلث .

برهان صحة قولنا - : قول الله تعالى في المواريث : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } فعم عز وجل الديون كلها - : حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا عمران بن موسى المصري نا عبد الوارث هو ابن سعيد التنوري - نا أبو التياح يزيد بن حميد البصري نا موسى بن سلمة الهذلي : " أن ابن عباس قال : أمرت { امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها ؟ فلتحج عن أمها } .

ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن الزهري عن سليمان بن يسار [ ص: 42 ] عن ابن عباس : { أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج ؟ قال : حجي عن أبيك } .

وروينا أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس مسندا .

نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن أبي بشر هو جعفر بن أبي وحشية - قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس : { أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم ، قال : فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء } .

ورويناه أيضا من طريق البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم [ بنصه ] في امرأة من جهينة نذرت أمها أن تحج فماتت قبل أن تحج " .

ورويناه أيضا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل رواية البخاري ; وفيه قوله عليه السلام : { فحجي عن أمك ، اقضوا الله الذي له عليكم ، فالله تبارك وتعالى أحق بالوفاء } .

فهذه آثار في غاية الصحة لا يسع أحد الخروج عنها - : قال أبو محمد : ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بهذا الحديث في القول بالقياس في تحريم التين بالتين متفاضلا ثم يخالفونه فيما جاء فيه أقبح خلاف فيقولون : لا يحج [ ص: 43 ] عن ميت ، ودين الله لا يقضى ، وديون الناس أحق منه ، فأي قول أقبح من قول من قال : من أهرق خمر اليهودي ، أو النصراني ومات قضي دين الخمر من رأس ماله أوصى به أو لم يوص ، ولا يقضى دين الله تعالى في الحج إلا أن يوصى به فيكون من الثلث ؟ - : قال أبو محمد : قولنا هو قول جمهور السلف - : روينا عن أبي هريرة من مات وعليه نذر أو حج فليقض عنه وليه .

ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس : " أن امرأة أتته فقالت : إن أمي ماتت وعليها حجة أفأحج عنها ؟ فقال ابن عباس : هل كان على أمك دين ؟ قالت : نعم ; قال : فما صنعت ؟ قالت قضيته عنها قال ابن عباس : فالله خير غرمائك ، حجي عن أمك " .

ومن طريق شعبة عن مسلم القري قلت لابن عباس : إن أمي حجت وماتت ولم تعتمر أفأعتمر عنها ؟ قال : نعم ; ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة نا أبو الأحوص عن طارق بن عبد الرحمن قال : كنت جالسا عند سعيد بن المسيب فأتاه رجل فقال : إن أبي لم يحج قط أفأحج عنه ؟ فقال له سعيد : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص لرجل حج عن أبيه وهل هو إلا دين ؟ ومن طريق ابن أبي شيبة نا مروان بن معاوية هو الفزاري - عن قدامة بن عبد الله الرؤاسي قال : سألت سعيد بن جبير عن أخي فقلت : مات ولم يحج قط أفأحج عنه ؟ فقال : هل ترك من ولد ؟ قلت : ترك صبيا صغيرا ، فقال : حج عنه فإنه لو وجد رسولا لأرسل إليك أن عجل بها ؟ فقلت : أحج عنه من مالي أو من ماله : قال : بل من ماله .

قال : وسألت إبراهيم النخعي ؟ فقال : حج عنه .

قال : وسألت الضحاك فقال : حج عنه من ماله ؟ فإن ذلك مجزئ عنه ، ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج عن فضيل بن عمرو وقال : نذرت امرأة أن تطوف بالبيت مقترنة مع ابنتها فماتت الأم قبل أن تطوف فسأل ابنها إبراهيم النخعي عن ذلك ؟ فقال : طف أنت وأختك عن أمك ولا تقترنا .

[ ص: 44 ] ومن طريق وكيع عن سفيان عن أسلم المنقري عن عطاء قال : يحج عن الميت وإن لم يوص .

ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي نهيك قال : سألت طاوسا عن امرأة ماتت وقد بقي عليها من نسكها ؟ فقال : يقضي عنها وليها - أبو نهيك هو القاسم بن محمد الأسدي - روي عنه سفيان ، ومنصور ، وجرير بن عبد الحميد .

ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء .

ومن طريق حماد بن سلمة عن زياد الأعلم عن الحسن : قال عطاء والحسن فيمن لم يحج الفريضة : أنه يحج عنه من جميع المال ، والزكاة مثل ذلك ، أوصى أو لم يوص . وروي أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى .

قال أبو محمد : وهو قول الأوزاعي ، والثوري ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي سليمان ، وأصحابهم .

قال أبو محمد : قد ذكرنا قبل قول ابن عمر ، والقاسم بن محمد ، وخلافهم لهما .

وروينا من طريق حماد بن زيد قال : سئل أيوب عن الوصايا في الحج ؟ فقال : لا أعرف الوصايا في الحج إنما الوصية في الأقربين .

قلنا : إذا فرط في الحج أيوصي به ؟ قال : لا .

وقد روينا عن إبراهيم النخعي من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم : لا يقضى حج عن ميت .

ومن طريق سعيد بن منصور عن هشيم عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم : فيمن مات ولم يحج ، قال : كانوا يحبون أن يوصي أن ينحر عنه بدنة .

ومن طريق سفيان عن منصور عنه : لا يحج أحد عن أحد .

ومن طريق شعبة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم : إن أوصى بالحج ، حج عنه من ثلثه ، وإلا فلا .

ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن حسان عن ابن سيرين : إذا [ ص: 45 ] أوصى بالحج فمن الثلث ; وبهذا يقول حماد بن أبي سليمان ، وحميد الطويل ، وداود بن أبي هند ، وعثمان البتي .

قال أبو محمد : ما نعلم لمن قال ؟ بهذا حجة إلا ما قد ذكرناه في الباب الذي قبل هذا وبينا أنه حجة عليهم وأنه لا حجة لهم فيه - وبالله التوفيق .

قال أبو محمد : وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فالله أحق بالوفاء ، ودين الله أحق أن يقضى } فلا يحل أن يقضى دين آدمي حتى تتم ديون الله عز وجل ، وهو قول من ذكرنا ، وأحد قولي الشافعي ، وقول جميع أصحابنا ، وللمالكيين ، والحنيفيين فيما يبدأ به في الوصايا أقوال لا يعرف لها وجه أصلا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث