الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الحج لا يجوز شيء من عمله إلا في أوقاته

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

819 - مسألة :

والحج لا يجوز شيء من عمله إلا في أوقاته المنصوصة ولا يحل الإحرام به إلا في أشهر الحج قبل وقت الوقوف بعرفة .

وأما العمرة فهي جائزة في كل وقت من أوقات السنة ، وفي كل يوم من أيام السنة ، وفي كل ليلة من لياليها لا تحاش شيئا - : برهان صحة قولنا : - قول الله عز وجل { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } .

الآية ، فنص عز وجل على أنه { أشهر معلومات } .

وقال تعالى : { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم } .

وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري ، وابن جريج كليهما عن أبي الزبير : سمعت جابر بن عبد الله يسأل أيهل أحد بالحج قبل أشهر الحج ؟ قال : لا .

ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال : لا ينبغي لأحد أن يهل بالحج إلا في أشهر الحج لقول الله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } .

ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي قال : [ ص: 46 ] رأى عمرو بن ميمون بن أبي نعم يحرم بالحج في غير أشهر الحج فقال : لو أن أصحاب محمد أدركوه رجموه .

ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني أن عكرمة قال لأبي الحكم : أنت رجل سوء ; لأنك خالفت كتاب الله عز وجل وتركت سنة نبيه صلى الله عليه وسلم . قال الله تبارك وتعالى : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج } . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء ، وجعل القرية خلف ظهره أهل وإنك تهل في غير أشهر الحج

؟ وعن عطاء ، وطاوس ، ومجاهد قالوا : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج في غير أشهر الحج .

وعن عطاء ، والشعبي مثل ذلك قالا : فإن أهل بالحج في غير أشهر الحج فإنه يحل .

وعن عطاء أنه يحل ويجعلها عمرة وأنه ليس حجا ، يقول الله تعالى : { الحج أشهر معلومات } .

وعن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن إبراهيم أنه قال : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج ; فإن فعل فلا يحل حتى يقضي حجه . .

وقال الأوزاعي ، والشافعي : تصير عمرة ولا بد .

وقال أبو حنيفة ، ومالك : يكره ذلك ويلزمه إن أحرم قبل أشهر الحج .

قال أبو محمد ما نعلم في هذا القول سلفا من الصحابة رضي الله عنهم وهو [ ص: 47 ] خلاف القرآن وخلاف القياس ، واحتج الشافعي بأنه كمن أحرم بصلاة فرض قبل وقتها أنها تكون تطوعا .

قال أبو محمد : هذا تشبيه الخطأ بالخطأ بل هو لا شيء ; لأنه لم يأت بالصلاة كما أمر ، وقال الله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } .

فصح أن عمل المحرم بالحج في غير أشهر الحج عمل ليس عليه أمر الله تعالى : ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فصح أنه رد ، ولا يصير عمرة ولا هو حج .

والعجب من قول من يحتج من الحنيفيين بأنهم قد أجمعوا على أنه يلزمه إحرام ما ، فإذ لا يجوز أن يكون عمرة فهو الحج ، وإن كان إنما يناظر من يساعده على هذا الخطأ فهو لعمري لازم له ، وإن كان قصد الإيهام بأنه إجماع [ تام ] فقد استسهل الكذب على الأمة كلها - نعوذ بالله من ذلك ؟ قال علي : وقد ذكرنا آنفا عن الشعبي ، وعطاء : أنه يحل ، وعن الصحابة رضي الله عنهم المنع من ذلك [ جملة ] . ونقول للحنفيين ، والمالكيين : أنتم تكرهون الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وتجيزونه فأخبرونا عنكم أهو عمل بر وفيه أجر زائد ؟ فلم تكرهون البر وعملا فيه - أجر ؟ هذا عظيم جدا وما في الدين كراهية البر وعمل الخير ، أم هو عمل ليس فيه أجر زائد ولا هو من البر ؟ فكيف أجزتموه في الدين ومعاذ الله من هذا ؟ قال أبو محمد : إذ هو عمل زائد لا أجر فيه فهو باطل بلا شك ; وقد قال تعالى : { ليحق الحق ويبطل الباطل } ويقال للشافعي : كيف تبطل عمله الذي دخل فيه ; لأنه خالف الحق ، ثم تلزمه بذلك العمل عمرة لم يردها قط ولا قصدها ولا نواها ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى } وهذا بين لا خفاء به ; فبطل كلا القولين - والحمد لله رب العالمين .

[ ص: 48 ] ولا يختلف المذكورون في أن من أحرم بصلاة قبل وقتها فإنها تبطل ومن نوى صياما قبل وقته فهو باطل ، ومن قدم الوقوف بعرفة قبل وقته فهو باطل ; فهلا قاسوا الحج على ذلك ؟ وهلا قاسوا بعض عمل الحج على بعض ؟ فهذا أصح قياس لو كان القياس حقا وهذا مما خالفوا فيه القرآن ، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يعرف لهم منهم مخالف ، والقياس .

والعجب أن الحنيفيين قالوا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { في الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة } : حاشا لله أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام لا فائدة فيه فهلا قالوا : هاهنا في قول الله تعالى : { الحج أشهر معلومات } حاشا لله من أن يقول في القرآن قولا لا فائدة فيه هذا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الزكاة في الغنم جملة دون ذكر سائمة ، ولم يأت قط في قرآن ولا سنة جواز فرض الحج في غير أشهره المعلومات ؟ .

فإن قالوا : أنتم لا تقولون بدليل الخطاب فلم جعلتم قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } حجة في أن لا يتعدى بأعمال الحج إلى غيرها ؟ قلنا : إنما نمنع من دعواكم في دليل الخطاب إذا أردتم أن تبطلوا به سنة أخرى عامة ، وأما إذا ورد نص بحكم ولم يرد نص آخر بزيادة عليه فلا يحل لأحد أن يتعدى بذلك الحكم النص الذي ورد فيه .

وأما العمرة فإن الخلاف قد جاء في ذلك - :

روينا من طريق ابن أبي شيبة نا أبو معاوية عن الأعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب سئل ابن مسعود عن العمرة في أشهر الحج ؟ فقال : الحج أشهر معلومات ليس فيهن عمرة ؟ وعن وكيع عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال : قال عمر : اجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم لحجكم ولعمرتكم .

وروينا من طريق الدراوردي عن الجعيد بن عبد الرحمن : أن السائب بن يزيد [ ص: 49 ] استأذن عثمان بن عفان في العمرة في أشهر الحج ؟ فلم يأذن له .

وروينا من طريق عائشة أم المؤمنين : حلت العمرة الدهر إلا ثلاثة أيام : يوم النحر ; ويومين من أيام التشريق .

ومن طريق قتادة عن معاذة عنها .

وروينا أيضا عنها : تمت العمرة السنة كلها إلا أربعة أيام : يوم عرفة ، ويوم النحر ويومين من أيام التشريق .

وروي أيضا عنها إلا خمسة أيام : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وثلاثة أيام التشريق .

وقال أبو حنيفة : العمرة كلها جائزة إلا خمسة أيام ، يوم عرفة ، ويوم النحر ، وثلاثة أيام التشريق .

وقال مالك : العمرة جائزة في كل وقت من السنة إلا للحاج خاصة في أيام النحر خاصة .

وقال سفيان الثوري والشافعي ، وأبو سليمان كما قلنا .

قال علي : روينا من طريق مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن أبي سلمة استأذن عمر بن الخطاب في أن يعتمر في شوال فأذن له فاعتمر .

ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد قال : استأذنت أختي عبد الله بن عمر بعد ما قضت حجها أتعتمر في ذي الحجة ؟ قال : نعم .

وعن طاوس أن رجلا سأله فقال : تعجلت في يومين أفأعتمر ؟ قال : نعم .

قال أبو محمد : ليس قول بعضهم أولى من بعض ، ولا بعض الروايات عن عائشة أولى من غيرها ، وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي نا ابن مفرج نا إبراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن علي بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا سفيان هو ابن عيينة - نا سمي هو مولى أبي بكر - عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة والعمرة إلى العمرة تكفير لما بينهما } . [ ص: 50 ]

قال أبو محمد : فحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمرة ولم يحد لها وقتا من وقت فهي مستحبة في كل وقت ; وأما اختيار أبي حنيفة ففاسد جدا ; لأنه لا حجة له على صحته دون سائر ما روي في ذلك - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث