الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لو قال علي أن أمشي لم يكن عليه المشي حتى يكون برا

[ ص: 476 ] بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله على سيدنا محمد وآله

قال الشافعي : " ولو قال : علي أن أمشي لم يكن عليه المشي حتى يكون برا ، فإن لم ينو شيئا فلا شيء عليه ؛ لأنه ليس في المشي إلى غير مواضع التبرر بر ، وذلك مثل المسجد الحرام ، وأحب لو نذر إلى مسجد المدينة أو إلى بيت المقدس أن يمشي وأحتج بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ولا يبين لي أن يجب كما يبين لي أن واجبا المشي إلى بيت الله ، وذلك أن البر بإتيان بيت الله عز وجل فرض ، والبر بإتيان هذين نافلة ، ولو نذر أن يمشي إلى مسجد مصر لم يجب عليه " .

قال الماوردي : لا يخلو إذا نذر المشي إلى مكان من أحد أمرين ، إما أن يعين المكان الذي يمشي إليه أو لا يعين ، فإن لم يعين مكانا يمشي إليه بقول ولا نية لم ينعقد به نذر ، ولم يلزم مشي ؛ لأنه لا قربة في المشي ، ولا بر ، ولا يلزم بالنذر إلا ما كان برا ؛ وإن عين في نذره المكان الذي يمشي إليه بقول ظاهر ، أو نية مضمرة ، فله فيه ثلاثة أحوال :

أحدها : أن ينذر المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى مكة ، أو إلى موضع من جميع الحرم ، فقد ذكرنا انعقاد نذره به لما خصه الله تعالى به من وجوب قصده في الشرع ؛ فوجب قصده بالنذر ، ووجب عليه في قصده أن يحرم بحج أو عمرة ؛ لأنه لا يجب قصده إلا بحج أو عمرة .

والحال الثانية : أن ينذر المشي إلى مسجد لم يختص بعبادة شرعية كنذر المشي إلى مسجد بالبصرة ، أو مسجد بالكوفة فلا ينعقد به النذر ، ولا يلزمه المشي إليه ؛ لأنه ليس لمسجد البصرة والكوفة اختصاص بطاعة لا توجد في غيره من المساجد .

فلو نذر أن يصلي في مسجد البصرة ؛ انعقد نذره بالصلاة ولم ينعقد بجامع البصرة ، وجاز أن يصلي صلاة نذره بالبصرة وغير البصرة .

والحال الثالثة : أن ينذر المشي إلى المسجد الأقصى ، وهو مسجد بيت [ ص: 477 ] المقدس ، أو ينذر المشي إلى مسجد المدينة ، وهو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي انعقاد نذره بالمشي إليهما قولان :

أحدهما : وهو المنقول هاهنا ، والمنصوص عليه في كتاب الأم ، وبه قال أبو حنيفة : أن نذره لا ينعقد به ولا يلزمه المشي إليه ، لرواية عطاء بن أبي رباح - رضي الله عنه - عن جابر بن عبد الله أن رجلا قال : يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : صل هاهنا ثم أعاد عليه ، فقال : صل هاهنا ، ثم أعاد عليه . قال : شأنك إذن فلو وجب هذا النذر ؛ لبدأه - صلى الله عليه وسلم - بالأمر به ؛ ولأنهما لا يجب قصدهما بالشرع ؛ فلم يجب قصدهما بالنذر كسائر المساجد من جميع الأمصار ، فعلى هذا إن لم يقرن بالمشي إليها عبادة سقط حكم النذر ، وإن قرن بالمشي إليها عبادة شرعية من صلاة ، أو صيام ، أو اعتكاف لزمه ما نذر من صلاة أو صيام أو اعتكاف ولم يلزمه نذره في المشي إلى المسجد الأقصى ، ومسجد المدينة ، وجاز أن يصلي ، ويصوم في مسجد ، وغير مسجد ، وجاز أن يعتكف في كل مسجد .

والقول الثاني : نص عليه رحمة الله عليه في كتاب البويطي وبه قال مالك : إن نذره بالمشي إليهما منعقد والوفاء به واجب ؛ لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا فنفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شد الرحال وجوبا إلا إليها ؛ فدل على وجوب شدها إلى هذه المساجد الثلاثة ، ولأنهما قد كانا مقصودين في الشرع بعبادة واجبة .

وأما المسجد الأقصى ؛ فقد كان في صدر الإسلام قبلة يصلى إليه .

وأما مسجد المدينة فقد كان مقصودا بوجوب الهجرة إليه ؛ ففارقا ما عداهما من سائر مساجد الأمصار في حكم الشرع ؛ ففارقاها أيضا في حكم النذر .

فعلى هذا لا يخلو نذره في المشي إليها من أن يتضمن عبادة فيه ، أو لا يتضمن عبادة فيه ، فإن لم يتضمن فيه عبادة واقتصر على أن نذر المشي إلى المسجد الأقصى ، ومسجد المدينة ؛ لزمه المشي إليهما ، وفي التزامه فعل العبادة فيهما وجهان :

أحدهما : لا يلزمه غير قصدهما ؛ لأنه لم يلتزم بنذره ، ويكون النذر مقصورا على التبرر بقصدهما والمشاهدة لهما .

والوجه الثاني : يلزمه في القصد إليهما فعل عبادة فيهما ؛ لأن المساجد إنما تقصد للعبادة دون المشاهدة .

فعلى هذا فيما يلزمه من العبادة فيهما وجهان :

[ ص: 478 ] أحدهما : أنه مخير فيما شاء من صلاة أو صيام أو اعتكاف ؛ لأن جميعها عبادات يتقرب بها إلى الله تعالى .

والوجه الثاني : يلزمه فيهما الصلاة خاصة لاختصاص المساجد بالصلاة عرفا فاختص بهما نذرا ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره ، وإن عين في نذره ما يفعله من العبادات في هذين المسجدين فقال : لله علي أن أصلي في المسجد الأقصى ، ومسجد المدينة ، أو قال : لله علي أن أعتكف فيهما ، أو أصوم فيهما انعقد نذره بالقصد ، وانعقد نذره بالعبادة ولزمته العبادة التي عينها من صلاة أو صيام أو اعتكاف ولم يجز أن يعدل عنها إلى غيرها .

فإذا نذر أن يمشي إلى المسجد الأقصى وأن يصلي فيه ركعتين انعقد نذره بالأمرين جميعا .

أما المشي إليه ففي وجوبه وجهان كالمشي إلى الحرم :

أحدهما : لا يجب ويكون محمولا على القصد فإن مشى أو ركب جاز ، وإن كان المشي الذي صرح به أفضل .

والوجه الثاني : أن المشي إليه واجبا ولا يجوز له أن يركب اعتبارا بصريح لفظه في نذره ، فعلى هذا إن ركب إليه ، ولم يمش ففي إجزائه وجهان :

أحدهما : لا يجزئه إذا قيل : إن نذره مقصور على الوصول إليه ؛ لأنه يصير بالمشي هو العبادة المقصودة ، وعليه إعادة قصده إليه ماشيا .

والوجه الثاني : يجزئه إذا قيل : إنه يلتزم بقصده فعل عبادة فيه ؛ لأنه يصير المقصود بالنذر هو فعل العبادة فيه ، ولا يلزمه أن يجبر ترك المشي بفدية ، كما قيل : في المشي إلى الحرم لاختصاص الفدية بجبران الحج ، دون غيره من العبادات .

فأما الصلاة فيه ، فقد لزمته بالنذر في استحقاق فعلها فيه وجهان :

أحدهما : أنها مستحقة فيه ، فإن صلاها في غيره من المساجد ؛ لم يجزه إذا قيل : إنه يلتزم بقصده فعل عبادة فيه .

والوجه الثاني : أنه غير مستحق فيه ، فإن صلاها في غيره أجزأه لأنه لا يلتزم بقصده فعل غيره ، والأظهر من الوجهين لزوم صلاته فيه ، وإنها لا تجزئه في غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث