الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حكم القاضي بغير مذهبه :

فإن كان شافعيا فأداه اجتهاده في قضية أن يحكم بمذهب أبي حنيفة جاز ، وكان بعض أصحابنا يمنع من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره لتوجه التهمة إليه وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه بعد استقرار المذاهب وتميز أهلها . فحكم الشرع لا يوجبه لما يلزمه من الاجتهاد في كل حكم طريقة الاجتهاد .

فإذا قضى في حكم باجتهاد ثم أراد أن يقضي فيه من بعد لزمه إعادة الاجتهاد .

فإن أداه إلى خلاف الأول كان كل واحد من الحكمين ماضيا وقد شرك عمر في عام ، ولم يشرك في عام وقال هذه على ما قضينا وتلك على ما قضينا .

هل للإمام أن يشترط على القاضي القضاء بمذهب معين ؟

فإن شرط المولي على المولى في عقد التقليد أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي [ ص: 25 ] أو بمذهب أبي حنيفة فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون الشرط عاما .

والثاني : أن يكون خاصا .

فإن كان عاما : فقال لا يحكم في جميع الأحكام إلا بمذهب الشافعي أو بمذهب

أبي حنيفة كان هذا الشرط باطلا سواء كان موافقا لمذهب المولى أو مخالفا ، لأنه قد منعه من الاجتهاد فيما يجب فيه الاجتهاد .

فأما صحة التقليد وفساده فمعتبر بشرطه .

فإن عدل به عن لفظ الشرط وأخرجه مخرج الأمر فقال احكم بمذهب الشافعي أو أخرجه مخرج النهي فقال لا تحكم بمذهب أبي حنيفة صح التقليد وإن بطل ما أمر به ونهاه عنه .

وإن جعله بلفظ الشرط في العقد فقال على أن تحكم بمذهب أبي حنيفة ؛ إن جعله أمرا أو على أن لا تحكم بمذهب الشافعي ، إن جعله نهيا بطل التقليد لفساد الشرط لأنه معقود على شرط فاسد . وقال أهل العراق لا يبطل التقليد وإن بطل الشرط كما لو لم يخرج في العقد مخرج الشرط .

وفرق ما بينهما يمنع من تساوي حكمهما .

وأما الضرب الثاني وهو أن يكون الشرط خاصا في حكم بعينه فلا يخلو من أن يكون أمرا أو نهيا .

فإن كان أمرا فقال أفد المسلم بالكافر ومن الحر بالعبد كان أمره بهذا الشرط فاسدا .

فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط .

وإن قرنه بلفظ الشرط بطل التقليد لفساد الشرط .

وإن كان الشرط نهيا : فعلى ضربين .

أحدهما : أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه فهذا شرط فاسد وتقليد صحيح لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار خارجا من نظره .

والضرب الثاني : أن لا ينهاه عن الحكم فيه وينهاه عن القضاء بالقصاص : فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه ؟ على وجهين :

[ ص: 26 ] أحدهما : يكون صرفا عن النظر فيه فلا يحكم فيه بإيجاب قود ولا بإسقاطه فعلى هذا يكون التقليد صحيحا فيما عداه .

والوجه الثاني : أنه لا يقتضي الصرف ويصير النهي عنه أمرا بضده أن يقتص من المسلم بالكافر ومن الحر بالعبد .

فإن تجرد عن لفظ الشرط صح التقليد مع فساد الشرط وحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه من وجوب القود أو إسقاطه .

وإن اقترن بلفظ الشرط بطل التقليد لفساد الشرط ، وإن حكم العراقيون بصحته مع فساد الشرط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث