الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كراهة مباشرة القاضي البيع والشراء لنفسه

[ كراهة مباشرة القاضي البيع والشراء لنفسه ] :

مسألة : قال الشافعي - رضي الله عنه - : " وأكره له البيع والشراء خوف المحاباة بالزيادة ويتولاه له غيره " .

قال الماوردي : وإنما كره له أن يباشر البيع والشراء في خاص نفسه أو لغيره فإن لم يكن كرهه أبو حنيفة لرواية أبي الأسود المالكي عن أبيه عن جده . أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا " .

وروي عن شريح قال شرط علي عمر حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا أبتاع ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان ، ولما بويع أبو بكر بالخلافة خرج بعد ثلاث برزمة ثياب إلى السوق فقيل له ما هذا ؟ فقال أنا كاسب أهلي فأجروا له من بيت المال كل يوم درهمين ، ولأنه إذا باع واشترى لم يؤمن أن يسامح ويحابي فتميل نفسه عند المحاكمة إليه إلى ممايلة من سامحه وحاباه ، ولأن في مباشرته بذلة تقل بها هيبته فكان تصاونه عنها أولى .

فإن قيل : فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيع ويشتري فعنه أجوبة :

[ ص: 43 ] أحدها : أن الله تعالى قد نزه رسوله مما يتوجه إلى غيره من التهمة فقال وما هو على الغيب بضنين

والثاني : أنه ما فعل ذلك بعد النبوة إلا نادرا قصد به بيان الأحكام فإنه ابتاع من أعرابي فرسا وقال له اختر . واستام من جابر بعيرا له فقال هو لك يا رسول الله فقال بل بعنيه فتماكسا في ثمنه حتى استقر فلما قدما المدينة دفع إليه الثمن وأعاد إليه البعير وقال : أتظن أنني كسبتك أي غبنتك .

فدل بهذا على أحكام . منها جواز الاستطلاع في الأثمان وإن المغابنة فيها ممضاة لأنه اشتراه بأقل من ثمنه .

ومنها : أن مخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يتعلق بالشرع ليست بمعصية لأن جابرا ما أجابه إلى ما طلبه منه حتى زاده .

فإن احتاج القاضي إلى بيع أو شراء وكل من ينوب عنه ، ولا يكون معروفا به ، فإن عرف استبدل به من لا يعرف حتى لا يحابى فتعود المحاباة إليه .

فإن لم يحد في مباشرته للبيع والشراء بدأ واحتكم إليه من بايعه وشاراه اخترنا له أن لا ينظر في حكومته بنفسه ويستخلف من ينظر فيها فيكون بعيدا من التهمة فإنه وإن حكم بالحق لا يؤمن أن يكون قلبه إليه أميل من خصمه إن باشره أو إلى خصمه أميل إن عاشره .

فإن خالف ما اخترنا وتفرد بالبيع والشراء فأحكامه نافذة كحكمه في الغضب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث