الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دفع من عرفة قبل غروب الشمس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما قولنا : من دفع من عرفة قبل غروب الشمس فحجه تام ولا شيء عليه ، ووجوب فرض الوقوف بعرفة كما ذكرنا - : فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا إسحاق بن إبراهيم أنا وكيع نا سفيان هو الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال { شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة - وسئل عن الحج - ؟ فقال : الحج عرفة فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد أدرك } . [ ص: 116 ] وبه إلى أحمد بن شعيب أنا إسماعيل بن مسعود الجحدري نا خالد هو ابن الحارث - عن شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال : سمعت الشعبي يقول : حدثني { عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع فقلت له : هل لي من حج ؟ فقال : من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى يفيض ، وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه } . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : إن أفاض منها نهارا فحجه تام وعليه دم .

وقال مالك : إن لم يقف بها ليلا فلا حج له ، واحتج له من قلده بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بها في أول الليل ؟ فقلنا : ووقف نهارا ، فأبطلوا حج من لم يقف بها نهارا .

فقالوا : قد قال عليه السلام ، { من أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك } ؟ فقلنا : وقد قال عليه السلام : { وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد أدرك } فبلحوا .

فأتوا بنادرة ، وهي أنهم قالوا : معنى قوله " ليلا أو نهارا " إنما هو ليلا ونهارا كما قال - تعالى - : { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } ؟ فقلنا : هذا الكذب على الله - تعالى - وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم صراحا ; ولو كان كما تأولتموه لما كان عليه السلام منهيا عن أن يطيع منهم آثما إلا حتى يكون كفورا ; وهذا لا يقوله مسلم ، بل هو عليه السلام منهي عن أن يطيع منهم الآثم ، والكفور ، وإن لم يكن الآثم كفورا .

ثم لو صح لكم في الخبر تأويلكم الفاسد لكان لا يصح لأحد حج حتى يقف بها نهارا وليلا معا ، وهذا خلاف قولكم مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف بها إلا نهارا ودفع منها إثر تمام غروب القرص في أول الليل ، والدفع لا يسمى وقوفا ، بل هو زوال عنها . [ ص: 117 ] وذكروا خبرا فاسدا رويناه من طريق إبراهيم بن حماد عن أبي عون محمد بن عمرو بن عون عن داود بن جبير عن أبي هاشم رحمة بن مصعب الفراء الواسطي عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج } .

قال أبو محمد : هذا عورة لأن أبا عون بن عمرو ، ورحمة بن مصعب ، وداود بن جبير مجهولون لا يدرى من هم وابن أبي ليلى سيئ الحفظ ; وعلى هذا الخبر يبطل حج النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقف بعرفة بليل إنما دفع منها في أول أوقات الليل .

ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا ابن أبي ليلى نا عطاء يرفع الحديث قال { من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج } وهذا مرسل ، ومع ذلك فليس فيه بيان جلي بأنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أبي ليلى سيئ الحفظ ، وهذا مما ترك فيه الحنفيون المرسل .

وخبر من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي ، نا ابن أبي نافع عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تدفعوا من عرفة ومزدلفة حتى يدفع الإمام } .

وهذا لا شيء ; لوجوه - : أحدها : أنه مرسل ; والثاني : أن فيه ثلاثة ضعفاء في نسق وثالثها : أنه ليس فيه إيجاب الوقوف بعرفة ليلا أصلا ; والرابع : أنه مخالف لقولهم ; لأنهم لا يبطلون حج من دفع قبل الإمام من عرفة ، ولا من مزدلفة .

ومنها : خبر من طريق عبد الملك بن حبيب عن أبي معاوية المدني عن [ ص: 118 ] يزيد بن عياض هو ابن جعدبة - عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من أجاز بطن عرنة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له } ؟ وهذه بلية ، لأن عبد الملك ساقط وأبا معاوية مجهول ; ويزيد كذاب ثم هو مرسل ; ثم إنه مخالف لقولهم ; لأن بطن عرنة من الحرم - وهو غير عرفة - فليس فيه وجوب الوقوف ليلا بعرفة أصلا .

وخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إنا لا ندفع حتى تغرب الشمس - يعني من عرفات - وإن أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ، وإنا ندفع قبل ذلك ، هدينا مخالف لهديهم } ؟ قال أبو محمد : وهذا لا شيء ; لأنه مرسل ، ثم هو عن رجل لم يسم ، ثم هم مخالفون له ; لأنهم لا يبطلون حج من دفع من جمع بعد طلوع الشمس أو من لم يقف بها أصلا .

قال أبو محمد : وما ندري من أين وقع إيجاب الوقوف بعرفة ليلا ، وإبطال الحج بتركه ؟ وهم لا يبطلون الحج بمخالفة عمل النبي صلى الله عليه وسلم كله في عرفة ، وفي الدفع منها ، وفي مزدلفة - : فإن ذكروا ما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال : من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ، ومن لم يدرك عرفات بليل فقد فاته الحج ؟ قلنا : قد صح عن ابن عمر أنه لا يكون هديا إلا ما قلد وأشعر فخالفتموه ، وصح عن عمر : من قدم ثقله من منى بطل حجه فخالفتموه ; فمن أين صار ابن عمر هاهنا حجة ، ولم يصر حجة هو ولا أبوه فيما ذكرنا عنهما مما استسهلتم خلافهما فيه ; وما نعلم لمالك في هذا القول حجة أصلا ؟ وأما إيجاب الدم في ذلك فخطأ ; لأنه لا يخلو أن يكون من دفع من عرفة قبل [ ص: 119 ] غروب الشمس فعل ما أبيح له أو ما لم يبح له ; فإن كان فعل ما أبيح له فلا شيء عليه ; وإن كان فعل ما لم يبح له فحجه باطل ولا مزيد .

قال أبو محمد : روينا من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال : ملاك الحج الذي يصير إليه ليلة عرفة من أدركها قبل الفجر ليلا أو نهارا فقد أدرك الحج .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث