الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ القول في التقليد ] :

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله - : " فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أما التقليد فهو قبول قول بغير دليل . مأخوذ من قلادة العنق ، لأنه قد جعل قبول قوله كالقلادة في عنقه .

وهو ضربان : ضرب : أمرنا به وضرب نهينا عنه .

فأما المأمور به فالتقليد في الأخبار والشهادة وتقليد العامي للعالم فيما يختص به من علم ، وقد استوفيناه مشروحا في أول كتابنا هذا .

فأما المنهي عنه : فهو التقليد فيما يعتقده علما ، أو يقضي به حكما ، ويفتي به إخبارا ، فهو محظور ، لا يستقر به علم ، ولا يصح به حكم ، ولا تجوز به فتيا ، ويستوي في حظره تقليد من عاصره ومن تقدمه وسواء ساواه في العلم أو زاد عليه .

وجوز بعض الفقهاء تقليد علماء السلف . ومن عاصره من المتقدمين عليه في العلم لقول الله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ النحل : 43 ] .

وجوز بعض أصحاب الحديث تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " .

وجوز آخرون منهم تقليد الصحابة دون التابعين لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .

[ ص: 53 ] وجوز آخرون منهم تقليد الخلفاء الأربعة من الصحابة دون غيرهم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " .

وجوز آخرون تقليد أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - خاصة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " .

والدليل على فساد التقليد ، ووجوب الرجوع إلى أدلة الأصول ، قول الله تعالى : وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [ الشورى : 10 ] . وقوله تعالى : لعلمه الذين يستنبطونه منهم " [ النساء : 83 ] . فنفى أن يكون لغير المستنبط علم .

وروي أن عدي بن حاتم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقه صليب أو وثن فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله . فقال عدي : ما اتخذوهم أربابا فقال : أليس يحرمون عليهم ما حل ويحلون لهم ما حرم ؟ " قال : نعم ، قال " فتلك العبادة .

ولأنه لا يخلو حال المقلد من أن يقلد جميع الناس أو بعضهم فإن قلد جميع الناس لم يمكنه لاختلافهم ، وإن قلد بعضهم لم يكن قول من قلده بأولى من تركه فإن رجح صار مستدلا .

ثم يقال لمن قلد : صرت إلى التقليد بدليل أو بغير دليل ؟ فإن قال بدليل ناقض قوله صار مستدلا وغير مقلد .

وإن قال بغير دليل قيل : فهلا قلدت من قال بإبطال التقليد فلا يجد منه انفصالا إلا بدليل فبطل التقليد بالدليل .

وفي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بأصحابه ما يوجب ترك التقليد لأنهم حين اختلفوا في الجد والعول وغيره استدلوا ولم يقلد بعضهم بعضا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث