الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : [ الأصول الشرعية ] .

فإذا تقررت هذه الجملة فالأصول الشرعية أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس .

أولا : الكتاب .

فالأصل الأول هو كتاب الله : الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قال الله تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق [ الجاثية : 29 ] . وقال : ما فرطنا في الكتاب من شيء [ الأنعام : 38 ] . وقال : وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [ الشورى : 15 ] .

ما يشتمل عليه الكتاب :

وكتاب الله يشتمل على ثلاثة وجوه : أمر ونهي وخبر .

وليس فيه استخبار لعلمه بما كان ويكون . وما ورد فيه على صيغة الاستخبار والاستفهام فالمراد به تقرير أو وعيد .

وقد حد ما فيه بأخص من هذه العبارة فقيل : إنه يشتمل على إعلام وإلزام .

فالإعلام : وعد أو وعيد ، وليس يخلو ما فيه من النصوص من أن يراد به وعد أو وعيد .

والإلزام أمر ونهي . فالأمر ما تعبد بفعله .

[ ص: 56 ] والنهي ما تعبد بتركه
.

أقسام الأمر :

والأمر : ينقسم بالقرائن ثلاثة أقسام : واجب واستحباب ومباح .

فإن تجرد عن قرينة كان محمولا عند الشافعي على الوجوب إلا بدليل يصرفه إلى الاستحباب أو الإباحة .

وذهب غيره إلى أنه محمول على الاستحباب حتى يقوم دليل على الوجوب .

وقال آخرون : هو موقوف حتى يقوم دليل على المراد به لاحتماله .

وما قاله الشافعي أولى ، لفرق ما بين ورود الأمر وعدمه .

أقسام النهي :

والنهي ينقسم بالقرائن ثلاثة أقسام : تحريم وكراهة وتنزيه :

فإن تجرد عن قرينة كان محمولا عند الشافعي على التحريم وفساد المنهي عنه إلا أن يصرفه دليل إلى غيره .

والأمر يقتضي فعل المأمور مرة واحدة ، ولا يحمل على التكرار إلا بدليل .

والنهي يقتضي ترك المنهي عنه على الدوام ولا يجعل موقتا إلا بدليل .

والنهي يقتضي الفور ، ولا يحمل على التراخي إلا بدليل .

وفيما يقتضيه مطلق الأمر من الفور أو التراخي وجهان :

أحدهما : أنه يحمل على الفور كالنهي حتى يقوم دليل على التراخي .

والوجه الثاني : أنه يحمل على التراخي حتى يقوم دليل على الفور .

وقد يرد الأمر بلفظ الخبر ، كقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] . فيحمل على حكم الأمر .

ويجوز أن يتوجه إليه النسخ .

وذهب قوم إلى أن ما ورد بلفظ الخبر لم يجز أن يتوجه إليه نسخ كالخبر .

وهذا فاسد ، لأنه في معنى الأمر فكان على حكمه .

ومطلق الأمر والنهي متوجه إلى جميع الأحرار من الرجال والنساء .

وفي دخول العبيد في مطلق الأمر والنهي ثلاثة أوجه :

أحدها : يدخلون فيه لتوجه التكليف إليهم ولا يخرجون منه إلا بدليل .

والوجه الثاني : لا يتوجه إليهم ويخرجون منه بغير دليل لأنهم أتباع .

[ ص: 57 ] والوجه الثالث : أنه إن تضمن الخطاب وعيدا توجه إليهم كالأحرار ولم يخرجوا منه إلا بدليل وإن تضمن ملكا أو عقدا أو ولاية خرجوا منه ولم يدخلوا فيه إلا بدليل .

وإذا ورد الكتاب باللفظ المذكر توجه إلى الرجال ولم تدخل فيه النساء إلا بدليل ، كما لو ورد بلفظ المؤنث توجه إلى النساء ولم يدخل فيه الرجال إلا بدليل .

وهذا متفق عليه وذلك مختلف فيه .

والمتفق عليه من افتراقهما في اللفظ المؤنث دليل يوجب افتراقهما فيما اختلف فيه من اللفظ المذكر .

وأما ما تضمنته شرائع من قبلنا من الأنبياء من الأوامر والنواهي فما لم يقصه الله تعالى علينا في كتابه لم يلزمنا حكمه لانتفاء العلم بصحته ، وما قصه علينا في كتابه لزمنا منه ما شرعه إبراهيم لقول الله تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [ النحل : 123 ] .

وفي لزوم ما شرعه غيره من الأنبياء وجهان :

أحدهما : يلزم ما لم يقم دليل على نسخه لكونه حقا .

والوجه الثاني : لا يلزم إلا أن يقوم دليل على وجوبه وليس في أصله منسوخا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث