الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( الثامن ) من أركانها ( الجلوس بين سجدتيه مطمئنا ) ولو في نفل نظير ما مر ( ويجب أن لا يقصد برفعه غيره ) أي الجلوس لما مر في الركوع ، فلو رفع فزعا من شيء لم يكف ويجب عليه عوده إلى سجوده ( وأن لا يطوله ولا الاعتدال ) لكونهما ركنين قصيرين غير مقصودين لذاتهما بل للفصل ، وسيأتي حكم تطويلهما في سجود السهو ( وأكمله يكبر ) من غير رفع يد مع رفع رأسه من سجوده للاتباع رواه الشيخان ( ويجلس مفترشا ) فيه وسيأتي بيانه لأنه جلوس يعقبه حركة فكان الافتراش فيه أولى .

وروي عن الشافعي أنه يجلس على عقبيه ويكون صدور قدميه على الأرض ، وهذا نوع من الإقعاء وتقدم أنه مستحب هنا والافتراش أكمل منه ( واضعا يديه ) أي كفيه على فخذيه ( قريبا من ركبتيه ) بحيث تسامت رءوسهما الركبة للاتباع ، ولا يضر : أي في أصل السنة فيما يظهر انعطاف رءوس الأصابع على الركبتين ، والحكمة في ذلك منع يديه من العبث ، وأن هذه الهيئة أقرب إلى التواضع ، وعلم من ذكر الواو أن كلا سنة مستقلة ( وينشر أصابعه مضمومة للقبلة ) كما في السجود أخذا من الروضة ( قائلا : رب اغفر لي وارحمني وأجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني ) للاتباع روى بعضه أبو داود وباقيه ابن ماجه .

وقال المتولي : يستحب للمنفرد : أي وإمام من مر أن يزيد على ذلك رب هب لي قلبا تقيا نقيا من الشرك بريا لا كافرا ولا شقيا وارفعني وارحمني من زيادته على المحرر ، وأسقط من الروضة ذكر ارحمني وزاد في الإحياء بعد قوله وعافني واعف عني وفي تحرير الجرجاني يقول رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ( ثم يسجد ) السجدة ( الثانية كالأولى ) في أقلها وأكملها ، وإنما شرع تكرار السجود دون غيره لأنه أبلغ في التواضع [ ص: 518 ] وأنه لما ترقى فقام ثم ركع ثم سجد وأتى بنهاية الخدمة أذن له في الجلوس فسجد ثانيا شكرا لله على استخلاصه إياه ولأن الشارع لما أمر بالدعاء فيه وأخبر بأنه حقيق بالإجابة سجد ثانيا شكرا لله على إجابتنا لما طلبناه ، كما هو المعتاد فيمن سأل ملكا شيئا فأجابه ، ولأنه لما عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء فمن كان من الملائكة قائما سلم عليه كذلك ثم سجدوا شكرا لله تعالى على رؤيته صلى الله عليه وسلم ، ومن كان راكعا رفع رأسه من الركوع سلموا عليه ثم سجدوا شكرا لله تعالى على رؤيته ، فلم يرد الله أن يكون للملائكة حال إلا وجعل لهذه الأمة حالا هو مثل حالهم ، ولأن فيه إشارة إلى أنه خلق من الأرض وسيعود إليها ( والمشهور سن ) ( جلسة خفيفة ) للاستراحة ( بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها ) بعد سجود لغير تلاوة وقبل قيام بقدر الجلوس بين السجدتين للاتباع ، رواه البخاري والترمذي عن أبي حميد الساعدي في عشرة من الصحابة ، وأما خبر { كان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من السجود استوى قائما } فغريب أو محمول على بيان الجواز .

والثاني لا تسن لخبر وائل بن حجر الآتي ، ولا يضر تخلف المأموم لأجلها وإن كره لأنه يسير ، بل إتيانه بها حينئذ سنة كما اقتضاه كلامهم وصرح به ابن النقيب وغيره ، وبه فارق ما لو تخلف للتشهد الأول .

نعم لو كان بطيء النهضة والإمام سريعها وسريع القراءة بحيث يفوته بعض الفاتحة لو تأخر لها حرم كما بحثه الأذرعي والأوجه خلافه ، ولا تسن للقاعد كما أفهمه قوله يقوم عنها ويظهر سنها في محل التشهد الأول عند تركه ، وفي غير العاشرة لمن صلى عشر ركعات مثلا بتشهد ، ويكره تطويلها على الجلوس بين السجدتين كما في التتمة ، ويؤخذ منه عدم بطلان الصلاة به وهو المعتمد كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى قال : [ ص: 519 ] وهو المراد بما في البحر والرونق أنها بقدر ما بين السجدتين ، إذ لو اقتضى تطويلها بطلان الصلاة لم تكن في صلاة الفرض إلا حراما ، ولقولهم تطويل الركن القصير يبطل عمده في الأصح فإنه مخرج لتطويل جلسة الاستراحة وتطويل جلوس التشهد الأول : أي فلا يبطل عمدهما الصلاة ، وإنما أبطلها تعمد تطويل الركن القصير لأنه تغيير لموضوع جزئها الحقيقي الذي تنتفي ماهيتها بانتفائه فأشبه نقص الأركان الطويلة بنقصان بعضها ، ولأنه يخل بالموالاة ولأن محله لا يتميز كونه عبادة عن العادة فطلب فيه ذكر ليتميز كما في القراءة بخلاف الركوع والسجود ا هـ .

وإفتاء البلقيني ببطلانها به ودعوى أن كلام التتمة مبني على ضعيف ممنوع ، وهي فاصلة وقيل من الأولى وقيل من الثانية ويستحب له أن يمد التكبير من رفعه من السجود إلى قيامه لا أنه يكبر تكبيرتين .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( قوله : نظير ما مر ) أي في الاعتدال من كونه ركنا ولو في النافلة على المعتمد : أي فكذا هنا ( قوله : لما مر في الركوع ) أي من أنه لا يقصد به غيره : أي يجب أنه إلخ ( قوله في سجود السهو ) قال حج هنا : فإن طول أحدهما فوق ذكره المشروع قدر الفاتحة في الاعتدال وأقل التشهد في الجلوس عامدا عالما بطلت صلاته ( قوله : صدور قدميه ) المراد بصدورهما أطراف الأصابع كما تقدم التعبير به بعد قول المصنف ويكره الإقعاء من قوله وقد يسن الإقعاء في الجلوس بين السجدتين بأن يضع أطراف أصابع رجليه وركبتيه على الأرض وألييه على عقبيه ا هـ ( قوله : واضعا يديه ) أي ندبا فلا يضر إدامة وضعهما على الأرض إلى السجدة الثانية اتفاقا خلافا لمن وهم فيه ا هـ حج : أي فقال إن إدامتهما على الأرض تبطل الصلاة ( قوله : وعلم من ذكر الواو ) أي في قوله وينشر وكان الأولى تأخيره عنه ( قوله وفي تحرير الجرجاني يقول رب اغفر ) أي زيادة على ما تقدم في كلام المصنف ، ولا فرق بين تقديمه [ ص: 518 ] على قول رب هب لي قلبا إلخ وبين تأخيره عنه : أي وكل منهما مؤخر عن قوله واعف عني ( قوله : شكرا لله على استخلاصه ) أي إخراجه من الخدمة التي طلبها منه بأن أعانه على وفائها والفراغ منها .

( قوله : والمشهور سن جلسة ) لم يبين كحج ماذا يفعله في يديه حالة الإتيان بها ، وينبغي أن يضعهما قريبا من ركبتيه وينشر أصابعه مضمومة للقبلة فليراجع ( قوله : بقدر الجلوس ) ضبط للجلسة الخفيفة ، والمراد أصل الجلوس لا أنه يستحب أن يطولها بقدر الجلوس المطلوب بالذكر الوارد فيه ( قوله : في عشرة ) أي مع عشرة ، وهو يفيد أنه ليس من العشرة كما في قوله تعالى { ادخلوا في أمم } أي مع أمم ( قوله : لخبر وائل بن حجر ) بضم الحاء المهملة في أوله وإسكان الجيم في آخره راء مهملة ، وما وقع في شرح المناوي على الجامع أنه بجيم ثم حاء لعله تحريف أو سبق قلم ، ثم رأيت البكري ذكر ما قلته ( قوله : لأنه يسير ) قد يقتضي أنه لو طولها ضر ولعله غير مراد كما قد يؤخذ من قوله الآتي والأوجه ( قوله : بل إتيانه إلخ ) يخالف قوله قبل وإن كره ، إلا أن يقال : المراد بما تقدم أنه لا يضر تخلف المأموم وإن طوله لما يأتي أن التطويل مكروه لا حرام ، فيكون أصل التخلف سنة ولا يضر تطويله له لكنه يكره ، أو يقال المعنى وإن كره التخلف عن الإمام من حيث هو ، ثم رأيت في بعض النسخ إسقاط قوله وإن كره وعليها فلا إشكال ( قوله والأوجه خلافه ) أي ومع ذلك إذا قام لا يكون متخلفا بعذر بل يقرأ الفاتحة ويأتي فيه ما قيل في المسبوق إذا اشتغل بدعاء الافتتاح .

( قوله : عدم بطلان الصلاة به ) أي بالتطويل وظاهره إن طال جدا ( قوله : لم يكره ) أي التطويل [ ص: 519 ] قوله : وقيل من الأولى ) وتظهر فائدة ذلك في التعاليق ( قوله : ويستحب له أن يمد التكبير ) ويشترط أن لا يمده فوق سبع ألفات وإلا بطلت إن علم وتعمد ا هـ حج ( قوله : لا أنه لا يكبر تكبيرتين ) المراد أنه لا يترك المد ويكرر التكبير ، بل أنه حيث أمكنه المد أتى به مقتصرا عليه ، وعلى هذا لو كان بطيء النهضة أو أطال الجلوس وكان لو اشتغل بالمد إلى الانتصاب زاد فيه على سبع ألفات امتنع المد ، وينبغي أن يشتغل بعد فراغ التكبير المشروع بذكر إلى أن يصل إلى القيام ، وينبغي أيضا أن لا يشتغل فيه بتكرير التكبير لأنه ركن قولي وهو مبطل على قول .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث