الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 154 ] شروط جواز ولاية القاضي

مسألة : قال الشافعي : " وإن لم يكن في عقله ما إذا عقل القياس عقله وإذا سمع الاختلاف ميزه فلا ينبغي أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه " .

قال الماوردي : وهذه المسألة يجب أن تستوفى فيها الشروط المعتبرة في ولاية القاضي ونفاذ حكمه .

والذي يعتبر في جواز ولايته ونفاذ حكمه سبعة شروط :

أحدها : أن يكون كاملا في نفسه .

وكمال نفسه ضربان :

أحدهما : كمال حكمه .

والثاني : كمال خلقه .

فأما كمال الحكم : فهو بالبلوغ والعقل لأن باجتماعهما يتعلق التكليف ويثبت للقول حكم .

فلا يجوز أن يكون القاضي غير بالغ ولا مختل العقل لأنه ليس لواحد منهما تمييز صحيح ولا لقوله حكم نافذ .

فإن قلد القضاء صبي أو مختل العقل كانت ولايته باطلة ، وأحكامه مردودة ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " رفع القلم عن ثلاثة ولأن كل واحد منهما مولى عليه فلم يجز أن يكون واليا ، ولا يلزمه حكم قوله ، فلم يكن لغيره لازما .

وليس يكتفي فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا من السهو والغفلة يتوصل بذكائه إلى حل ما أشكل وفصل ما أعضل .

فإن كان مع هذه الحال يطرأ عليه في بعض الأحيان جنون ، نظر فيه .

فإن امتد به حتى تأخر عن أوقات النظر لم يصح تقليده .

وإن قصر زمانه وكان كالساعة ، نظر .

فإن أثرت في زمان إفاقته لفتور حسه ودهش عقله لم يصح تقليده .

وإن أفاق من ساعته ، وعاد إلى استقامته ففي جواز تقليده وجهان :

أحدهما : لا يجوز لأنه يخرج في زمان ذلك عن حكم التكليف وتبطل به فروض العبادات .

[ ص: 155 ] والوجه الثاني : يجوز ويجري مجرى فترات النوم وأوقات الاستراحة .

فإن قلد وهو سليم العقل ثم طرأ عليه الجنون بطلت ولايته ، ولم يعد إليها بالإفاقة .

ولكن لو أغمي عليه لم يؤثر في ولايته : لأن الإغماء مرض لا يمنع من النبوة . وأما كمال الخلقة فتعتبر سلامته فيها في ثلاثة أوصاف :

أحدها : صحة بصره ، فلا يكون أعمى .

والثاني : صحة سمعه ، فلا يكون أصم .

والثالث : سلامة لسانه ، فلا يكون أخرس .

فأما الأعمى : فلا يجوز تقليده ، ولو عمي بعد التقليد بطلت ولايته ، لأنه لا يفرق بين الطالب والمطلوب .

وجوز مالك تقليد الأعمى ، كما جوز شهادته .

فإن كان في عينه عشا يبصر نهارا ولا يبصر ليلا جاز تقليده .

وإن كان في بصره ضعف فإن كان يرى الأشباح ولا يعرف الصور لم يجز تقليده .

وإن كان يعرف الصور إذا قربت ولا يعرفها إذا بعدت جاز تقليده .

وأما الأصم : فلا يجوز تقليده ، وإن طرأ عليه صمم بطلت ولايته ، لأنه لا يفرق بالصمم بين إقرار وإنكار .

والصمم المانع من ذلك هو أن لا يفهم الأصوات وإن علت .

فأما ثقل السمع الذي يفهم عالي الأصوات ولا يفهم خافتها فتقليده جائز وإن كان تقليد السميع أولى منه .

وأما الأخرس فلا يجوز تقليده ، وإن طرأ عليه الخرس بطلت ولايته ، لأنه يعجز بخرسه عن إنفاذ الأحكام وإلزام الحقوق .

وجوز أبو العباس بن سريج ولايته إذا كان مفهوم الإشارة ، كما جوز شهادته .

وهو عند جمهور أصحابنا ممنوع من الأمرين .

فأما إن كان بلسانه تمتمة أو فأفأة أو عقلة أو ردة أو عقدة لا تمنع من فهم الكلام صح تقليده لأنه نقص لا يمنع من فهم الكلام وإن غمض فإن نبي الله موسى لم تمنع عقدة لسانه من صحة رسالته .

فأما صحة أعضائه فغير معتبرة في ولايته ، فيجوز تقليده وإن كان مقعدا أو ذا زمانة ، وإن كانت السلامة من الآفات أهيب لذوي الولايات .

[ ص: 156 ] فصارت الأوصاف المعتبرة في كمال نفسه خمسة : البلوغ والعقل والبصر والسمع والنطق فهذا حكم الشرط الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث