الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يقطع التلبية إلا مع آخر حصاة من جمرة العقبة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما قولنا : لا يقطع التلبية إلا مع آخر حصاة من جمرة العقبة ; فإن مالكا قال : يقطع التلبية إذا نهض إلى عرفة ، وذكروا في ذلك رواية عن عائشة أم المؤمنين ، وابن عمر ، وعن علي ; واحتجوا بأن قالوا : التلبية استجابة فإذا وصل فلا معنى للتلبية .

قال أبو محمد : أما الرواية عن علي فلا تصح ; لأنها منقطعة إليه ; والصحيح عنه خلاف ذلك ، وأما عن أم المؤمنين ، وابن عمر فقد خالفهما غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم ، وإذا وقع التنازع فالمرجوع فيه إلى ما افترض الله - تعالى - الرجوع إليه من القرآن والسنة .

وأما قولهم : إن التلبية استجابة فدعوى لا برهان على صحتها ; ولو كان ما قالوا : لوجبت التلبية عند سماع الأذان ، ووجوب النهوض إلى الجمعة وغيرها ; وما التلبية إلا شريعة أمر الله بها لا علة لها إلا ما قال تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } .

ثم لو كانت استجابة كما قالوا : لكان لم يصل بعد إلى ما دعي إليه لأنه قد بقيت عليه فروض من فروض الحج لا يكون واصلا إلى ما دعي إليه إلا بتمامها كعرفة ، وطواف الإفاضة - : روينا من طريق أبي داود نا أحمد بن حنبل نا وكيع عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة } . وصح أيضا من طريق أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن طريق مسلم نا شريح بن يونس نا هشيم أنا حصين هو ابن عبد الرحمن - عن كثير بن مدرك الأشجعي عن عبد الرحمن بن يزيد { أن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقيل له : عن أي هذا ؟ فقال : أنسي الناس أم ضلوا ؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان : لبيك اللهم لبيك } . [ ص: 134 ] ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس أن ميمونة أم المؤمنين لبت حين رمت الجمرة .

وبه إلى سفيان عن عامر بن شقيق سمعت أبا وائل يقول : قال ابن مسعود : لا يمسك الحاج عن التلبية حتى يرمي جمرة العقبة .

ومن طريق حماد بن زيد نا أيوب السختياني أنه سمع عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يقول : حدثني أبي أنه سمع عمر بن الخطاب يلبي بعرفة .

ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : سمعت عمر يلبي غداة المزدلفة .

وعن ابن أبي شيبة نا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق سمعت عكرمة يقول : { أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رمى الجمرة ، وأبو بكر ، وعمر } .

وعن علي بن أبي طالب أنه لبى حتى رمى جمرة العقبة .

وعن القاسم بن محمد عن أم المؤمنين عائشة كانت تلبي بعد عرفة - وعن سفيان بن عيينة سمع سعد بن إبراهيم يحدث الزهري عن عبد الرحمن بن الأسود أن أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة فقال له : ما يمنعك أن تهل ؟ فقد رأيت عمر في مكانك هذا يهل ؟ فأهل ابن الزبير .

وعن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد يقول : تلبي حتى ينقضي حرمك إذا رميت الجمرة - وعن سفيان الثوري عن عبد الله بن الحسن عن عكرمة قال : كنت مع الحسين بن علي فلبى حتى رمى جمرة العقبة .

قال أبو محمد : وكان معاوية ينهى عن ذلك .

ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد قال : غدا عمر بن عبد العزيز من منى إلى عرفة فسمع التكبير عاما فبعث الحرس يصيحون : أيها الناس إنها التلبية .

ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن المغيرة قال : ذكر عند إبراهيم النخعي إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية ما دام يطوف بالبيت فقال إبراهيم : لا ، بل يلبي قبل الطواف ، وفي الطواف ، وبعد الطواف ، ولا يقطعها حتى يرمي الجمرة - وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي سليمان . [ ص: 135 ] قال أبو محمد : إلا أن أبا حنيفة ، والشافعي قالا : يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة ؟ وليس كذلك بل مع آخر حصاة من الجمرة لأنه نص فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما { حكى ابن عباس ، وأسامة : أنه عليه السلام لبى حتى رمى جمرة العقبة } ولو كان ما قاله أبو حنيفة ، والشافعي ، لقالا : حتى بدأ رمي جمرة العقبة .

روينا من طريق الحذافي عن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن إبراهيم بن حنين عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يهل وهو يرمي جمرة العقبة فقلت له : فيما الإهلال يا أمير المؤمنين ؟ فقال : وهل قضينا نسكنا بعد ؟ وهو المفهوم الظاهر من فعل كل من ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم .

وقال قوم منهم مالك : إن الحاج يقطع التلبية إذا طاف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، فإذا أتم ذلك عاودها .

قال أبو محمد : وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا يقطعها - وهذا هو الحق ; لما ذكرنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة - : روينا من طريق أبي داود نا عبد الله بن محمد النفيلي ، وعثمان بن أبي شيبة قالا : نا حاتم بن إسماعيل نا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله أخبره فذكر { حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم وقال : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، فأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته } فصح أنه عليه السلام لم يقطعها - : ومن طريق سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن أبي وائل عن مسروق أنه رأى عبد الله بن مسعود طاف بالبيت سبعا ثم خرج إلى الصفا قال : فقلت له : يا أبا عبد الرحمن إن ناسا ينهون عن الإهلال في هذا المكان ؟ فقال : لكني آمرك به ; وذكر باقي الخبر .

فإن ذكروا : ما روينا من طريق ابن أبي شيبة نا صفوان بن عيسى عن [ ص: 136 ] الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن مجاهد عن عبد الله بن سخبرة عن { عبد الله بن مسعود قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى أتى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير أو بتهليل - : ومن طريق } ابن أبي شيبة نا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عكرمة قال : { سمعت الحسن بن علي يلبي حتى انتهى إلى الجمرة وقال لي : سمعت أبي علي بن أبي طالب يهل حتى انتهى إلى الجمرة ، وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حتى انتهى إليها } .

قلنا : الحارث ضعيف ، وأبان بن صالح ليس بالقوي ; ثم لو صحا لكان خبر الفضل بن عباس ، وأسامة بن زيد : زائدين على هذين الخبرين زيادة لا يحل تركها رغبة عنها واختيارا لغيرها عليها ; وليس في هذين الخبرين نهي عما في خبر ابن عباس ، وأسامة .

وقال قوم : يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم .

وقالت طائفة : لا يقطعها إلا حتى يرى بيوت مكة .

وقالت طائفة : حتى يدخل بيوت مكة .

وقال أبو حنيفة : لا يقطعها حتى يستلم الحجر فإذا استلمه قطعها .

وقال الليث : إذا بلغ الكعبة قطع التلبية .

وقال الشافعي : لا يقطعها حتى يفتتح الطواف - وقال مالك : من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم فإن أحرم من الجعرانة ، أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة ، أو إذا دخل المسجد - : روينا عن وكيع عن عمر بن ذر عن مجاهد قال : قال ابن عباس : لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن ، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة - قال وكيع : وحدثنا سفيان هو الثوري - عن عبد الله بن دينار قال : قال ابن عمر : يقطع التلبية إذا دخل الحرم .

قال أبو محمد : والذي نقول به فهو قول ابن مسعود الذي ذكرنا آنفا أنه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة ; فإن ذكروا : ما روينا عن سعيد بن منصور نا هشيم نا ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى في عمرته حتى استلم الحجر } : [ ص: 137 ] ومن طريق حفص بن غياث عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : { اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ثلاث عمر ، كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر } ؟ فهذان أثران ضعيفان - في أحدهما : ابن أبي ليلى - وهو سيئ الحفظ - وفي الآخر : الحجاج ، وناهيك به ; وهو أيضا صحيفة .

فإن قالوا : فهل عندكم اعتراض ؟ فيما رويتم من طريق أحمد بن شعيب عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية عن أيوب عن نافع قال : { كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ، ثم يصلي به الصبح ، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يفعل ذلك } ؟ قلنا : لا معترض فيه وهو صحيح ، إلا أنه لا حجة لكم فيه ; أول ذلك : أنه ليس في هذا الخبر ما تذكرون من أن ذلك كان في العمرة ; فهو مخالف لما اختاره أبو حنيفة ، والشافعي في الحج ، ولما اختاره أبو حنيفة في العمرة أيضا .

ثم نقول لمن ذهب إلى قول مالك في هذا : إن هذا خبر لا حجة لكم فيه ; لأنه قد يمكن أن ابن عمر إنما أشار بقوله { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك } إلى المبيت بذي طوى وصلاة الصبح بها فقط ; وهكذا نقول .

أو يكون أشار بذلك إلى قطع التلبية كما تقولون ; فإن كان هذا فخبر جابر بن عبد الله ، وأسامة ، وابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم التلبية ولم يقطعها حتى رمى جمرة العقبة } زائد على ما في خبر ابن عمر ، وزيادة العدل لا يجوز تركها ; لأنه ذكر علما كان عنده لم يكن عند ابن عمر الذي لم يذكره - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث