الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


إبطال الاستحسان

مسألة : قال الشافعي : ولا يجوز له أن يستحسن بغير قياس ولو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين .

قال الماوردي : أما الاستحسان فيما أوجبته أدلة الأصول واقترن به استحسان العقول فهو حجة متفق عليها يلزم العمل بها .

فأما استحسان العقول إذا لم يوافق أدلة الأصول فليس بحجة في أحكام الشرع .

والعمل بدلائل الأصول الشرعية أوجب وهي أحسن في العقول من الانفراد عنها .

وقال أبو حنيفة : الاستحسان في الشرع حجة توجب الأحكام الشرعية .

واختلف أصحابه في بيان مذهبه فيه :

فقال بعضهم : هو العمل بأقوى القياسين .

وهذا مما نوافقه عليه : لأنه الأحسن .

وقال بعضهم : هو القول بتخصيص العلة كما خص خروج الجص والنورة من علة الربا وإن كان مكيلا .

وهذا أصل نخالفه فيه : وللكلام عليه موضع غير هذا .

وقال بعضهم : أن يترك أقوى القياسين بأضعفهما إذا كان حسنا ، كالشهادة على الزنا في الزوايا .

وهذا نخالفه فيه : لأن أقوى القياسين عندنا أحسن من أضعفهما .

وقال بعضهم : هو ما غلب في الظن وحسن في العقل من غير دليل ولا أصل وإن دفعه من دلائل الشرع أصل .

هذا هو أفسد الأقاويل كلها .

أدلة القائلين بالاستحسان .

واستدلوا على العمل بالاستحسان في الجملة بقوله تعالى : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ الزمر : 18 ] .

وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن

[ ص: 164 ] قالوا ولأن المسلمين قد أجمعوا على أحكام عدلوا عن الأصول فيها إلى الاستحسان ، منها دخول الواحد إلى الحمام ، يستعمل ماء غير مقدر ، ويقعد فيه زمانا غير مقدر ، ويعطي عنه عوضا غير مقدر ، ويشرب من الساقي ماء غير مقدر ويعطي عنه عوضا غير مقدر ، ويشتري المأكول بالمساومة من غير عقد يتلفظ فيه ببدل وقبول ، وهذا مخالف للأصول ، وقد عمل المسلمون به استحسانا فدل على أن الاستحسان حجة وإن لم يقترن بحجة .

والدليل على فساد الاحتجاج بمجرد الاستحسان قول الله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [ النساء : 59 ] . فجعل الأحسن في التنازع ما كان مأخوذا عن أوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وكفى بالتنازع قبحا أن يكون مأخوذا من غيرهما .

وقال الله تعالى : لعلمه الذين يستنبطونه [ النساء : 83 ] . فنفى العلم عن غير المستنبط . والاستنباط هو البناء على معاني الأصول دون الظن والاستحسان .

ولأن في الظن والاستحسان اتباعا لهوى ، وقد قال الله تعالى : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ ص : 26 ] .

ولأنه لا يخلو أن يكون الحكم مجمعا عليه أو مختلفا فيه .

فإن كان مجمعا عليه ، وجب اتباع الإجماع فيه .

وإن كان مختلفا فيه فالله تعالى يقول : وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [ الشورى : 10 ] . ولم يقل إلى الاستحسان ولأن الاستحسان بالدليل يوجب الاتفاق عليه .

والاستحسان بغير دليل يوقع الاختلاف فيه لاختلاف الآراء والله تعالى يقول : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : 82 ] . فدل على أن الاستحسان من عند غير الله لوقوع الاختلاف فيه .

ولأنه لو كان الاستحسان بالعقل مغنيا في أحكام الشرع عن أصول الشرع لاستغنى بعقله عن الأمر والنهي ولجاز له أن يشرع في الدين بعقله من غير شرع ، والله تعالى يقول : أيحسب الإنسان أن يترك سدى [ القيامة : 36 ] . يعني : غير مأمور ولا منهي .

ولأن القياس أقوى من الاستحسان لجواز تخصيص العموم بالقياس دون الاستحسان فلم يجز أن يقدم عليه الاستحسان .

[ ص: 165 ] ولأنه لو كان الاستحسان دليلا لجاز أن يجعله في ترك الاستحسان دليلا فيؤول إثباته إلى إبطاله .

الجواب على أدلة القائلين به .

فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ الزمر : 18 ] . فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه أمره باتباع الأحسن دون المستحسن والأحسن ما كان في نفسه حسنا والمستحسن ما استحسنه الغير وإن لم يكن حسنا فافترقا ، ولزم اتباع الأحسن دون المستحسن .

والجواب الثاني : أنه وارد فيما جاء به الكتاب من ثواب الطاعات وعقاب المعاصي فيتبعون الأحسن من فعل الطاعة واجتناب المعصية .

والجواب الثالث : أنه محمول على ما جعل له من استيفاء الحق ، وندب إليه من العفو ، كما قال تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان [ البقرة : 178 ] . فجعل له القصاص وندب فيه إلى العفو فكان العفو أحسن من القصاص .

فأما الجواب عن قوله : " ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله " فمن وجهين :

أحدهما : أنه موقوف على ابن مسعود فلم يكن فيه حجة .

والثاني : أنه لا يخلو مراده من أحد أمرين :

إما أن يريد ما رآه جميع المسلمين حسنا فهو الإجماع ونحن نقول به .

أو يريد ما رآه بعضهم حسنا فليس بعضهم الذي استحسنه بأولى من البعض الذي استقبحه وهذا يتعارض فصار محمولا على الإجماع دون الاختلاف .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الإجماع منعقد على استحسان ما خالف الأصول فيما ذكروه من الأمثلة فمن وجهين :

أحدهما : أن الإجماع على هذا انعقد فصرنا إليه بالإجماع لا بالاستحسان .

والثاني : أن ما تراضى به الناس في معاملاتهم وتسامحوا به في عرفهم لم يعارضوا فيه ما لم يفض إلى الربا واستباحة الفروج ، ولو تحاكموا إلينا فيه لحملناه على موجب الأصول .

فإن قيل : فقد أنكر الشافعي الاستحسان ، وقال به في مسائل :

[ ص: 166 ] منها : أنه قال في المتعة " واستحسن بقدر ثلاثين درهما " وقال في الشفعة : " إنه يؤجل ثلاثا وذلك استحسان مني وليس بأصل " وقال في أيمان الحكام : وقد رأيت بعض الحكام يحلف بالمصحف ، وذلك عندي حسن " وقال في الأذان : " حسن أن يضع إصبعيه في صماخي أذنيه " .

قيل : لم يقل الشافعي ذلك بمجرد الاستحسان ، وإنما قاله لدليل اقترن به :

أما استحسانه المتعة بقدر ثلاثين درهما فلأن ابن عمر قاله ، ومذهبه في القديم :

أن الصحابي إذا انفرد بقول لم يظهر خلافه فهو حجة .

وأما استحسانه الشفعة أن يؤجل ثلاثا فلأن الناس قد أجمعوا على تأجيله في قريب الزمان في مبيته بقية ليلته وإمهاله لزمان أكله وشربه ولباسه فجعل القريب مقدرا بثلاثة أيام ، لقوله تعالى تمتعوا في داركم ثلاثة أيام [ هود : 65 ] . فجعلها حدا للقرب .

وأما استحسانه للحاكم أن يحلف بالمصحف فلأن الأيمان قد تغلظ في كثير الأموال فجاز أن تغلظ بالمصحف الموجب للكفارة لما فيه من فضل الخوف والتحرج .

وأما استحسانه أن يضع إصبعيه في صماخي أذنيه فلأن بلالا كان يفعله بمشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه أمد لصوته .

فلم يخل ما استحسنه من دليل اقترن به .

والاستحسان بالدليل معمول عليه وإنما ننكر العمل بالاستحسان إذا لم يقترن به دليل

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث