الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حكم الاجتهاد عند الشافعي وتخطئته للمجتهدين

[ حكم الاجتهاد عند الشافعي وتخطئته للمجتهدين ] .

مسألة : قال الشافعي : " قال الله عز وجل في داود وسليمان ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما [ الأنبياء : 79 ] . قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا لصوابه وأثنى على هذا باجتهاده

قال الماوردي : قد ذكرنا من أحكام الاجتهاد ما أغنى ، ومراد الشافعي بما أشار إليه من هذا ما قدمناه من بيان مذهبه في الاجتهاد في ثلاثة أحكام :

أحدها : أن عليه بالاجتهاد أن يتوصل إلى طلب العين ، وإصابة الحكم في الحادثة . وخالفه غيره فأوجب عليه الاجتهاد ليعمل بما أداه إليه .

والثاني : أن الحق في أحد أقاويل المجتهدين ، لا في جميعها وخالفه غيره فجعل الحق في جميعها .

والثالث : أن المصيب من المجتهدين واحد ، وإن لم يتعين ، وأن كلهم مخطئ عند الله ، وفي الحكم ، إلا ذلك الواحد ، فإنه يكون مصيبا عند الله ، وفي الحكم وخالفه غيره فجعل كل مجتهد مصيبا عند الله وفي الحكم .

[ الاعتراض على الشافعي بأن له في المسألة الواحدة قولين ] .

فإذا استقرت هذه الأحكام الثلاثة من مذهبه في الاجتهاد اعترض بها عليه من خالفه في إنكار القولين ، فقالوا : كيف استجاز أن يحكم في حادثة بقولين مختلفين وثلاثة أقاويل وأكثر وهو يرى أن عليه طلب العين وأن الحق في واحد وأن كل مجتهد مخطئ إلا واحدا .

فكان حكمه بالقولين خطأ من أربعة أوجه :

[ ص: 168 ] أحدها : أنه خالف بذلك أصول مذهبه في الاجتهاد ، لأن العمل بالقولين يمنع من وجوب طلب العين ، ويجعل الحق في جميع الأقاويل ، ويجعل كل مجتهد مصيبا ، فنقض بفروع الاجتهاد أصول مذهبه في الاجتهاد ، وكفى بهذا التناقض فسادا لقوله ووهنا لمذهبه .

والوجه الثاني : أنه ابتدع بذلك طريقة خرق بها إجماع من تقدمه وأنه لم يتقدم من عصر الصحابة ومن بعدهم إلى زمانه من أجاب في حكم بقولين مختلفين في حال واحد ، وكانوا من بين من استقر له جواب ذكره أو خفي عليه فأمسك عنه ، ولم يجب أحد منهم في حكم بقولين ، لأن الجواب ما أبان وليس في القولين بيان ، وخرق الإجماع بالقولين كخرقه بغير القولين .

والوجه الثالث : أن التناقض في أحكام الشرع ممتنع ، والحلال ليس بحرام ، والحرام ليس بحلال ، والإثبات ليس بنفي ، والنفي ليس بإثبات ، وهو بالقولين قد حلل الشيء في أحدهما وحرمه في الآخر ، وأثبته بأحدهما ونفاه الآخر ، وما أضاف إلى الشرع ممتنعا فيه وجب أن يكون مدفوعا به .

والوجه الرابع : أنه لا يخلو إرسال القولين في أحد أمرين : إما أن يكون لضعف اجتهاده ، أو لرأيه في تكافؤ الأدلة ، وضعف الاجتهاد نقص يقتضي أن يكون فيه تابعا غير متبوع ، وتكافؤ الأدلة وإن قال به قوم فقد خالفهم فيه الأكثرون ، ولا يجوز مع تكافئها أن يكون له حكم فيها ولا مذهب يعتقده فيها .

فأبطلوا عليه القول بالقولين من هذه الوجوه الأربعة ، وإن كان ما اعترضوا به كثيرا .

فنحن نذكر قبل الانفصال عنها أقسام القولين فإذا توجه الاعتراض بها على أحد الأقسام لزم الانفصال عنه وإن لم يتوجه سقط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث