الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ هل يتعقب القاضي حكم من قبله ] .

مسألة : قال الشافعي : " وليس على القاضي أن يتعقب حكم من قبله وإن تظلم محكوم عليه ممن قبله نظر فيه فرده أو أنفذه على ما وصفت "

قال الماوردي : وجملة ذلك أن القاضي إذا تقلد عملا لم يجب عليه أن يتعقب أحكام من قبله ولا يتتبعها لأمرين :

[ ص: 175 ] أحدهما : أن الظاهر منها نفوذها على الصحة .

والثاني : أنه ناظر في مستأنف الأحكام دون ماضيها .

فلهذين الأمرين لم يجب عليه أن يتعقبها .

فإن أراد أن يتعقبها من غير متظلم فقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك له - وإن لم يجب عليه - على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي حامد الإسفراييني ، يجوز له أن يتعقبها ، لما فيه من فضل الاحتياط .

والوجه الثاني : وهو قول جمهور البصريين : لا يجوز له أن يتعقبها من غير متظلم إليه لأمرين :

أحدهما : أنه يتشاغل بماض لم يلزمه عن مستقبل يجب عليه .

والثاني : أنه يتتبع قدحا في الولاة يتوجه عليه مثله .

فإن تظلم إليه من الأول متظلم لم تخل ظلامته من أن تكون في حكم أو غير حكم .

فإن كانت في غير حكم كدعوى دين عليه أو عقد عقده معه كان الأول في هذه الدعوى عليه كغيره من الخصوم يجوز للحاكم إحضاره وسماع الدعوى عليه والحكم بينه وبين خصمه .

وإن كان التظلم منه في حكم حكم به عليه لم يسمع الحاكم الدعوى منه مجملة حتى يصفها بما تصح الدعوى بمثله .

فإذا وصفها نظر الحاكم فيها ، فإن كان الحكم بمثلها لا يجوز أن ينقض ، لأنه خالف فيها من قياس المعنى القياس الخفي ، أو خالف فيها من قياس الشبه قياس التقريب ، رد المتظلم عنه ولم يعده وأعلمه أن حكمه نافذ عليه .

فإن كان الحكم مما ينقض مثله ، لمخالفته نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي من قياس المعنى أو قياس التحقيق من قياس الشبه فقد اختلف أصحابنا بعد سماع هذه الدعوى منه فيما يستجيز به الحاكم إحضار الأول على ثلاثة أوجه : أحدهما : أنه لا يستجيز إحضاره بمجرد الدعوى حتى يقيم بها المتظلم بينة تشهد له بصحة دعواه ، لأن الظاهر من أحكام الأول نفوذها على الصحة ، فلم يجز أن يعدله فيها عن الظاهر إلا ببينة . ولأن تصان ولاة المسلمين عن البذلة إلا بما يوجبها .

والوجه الثاني : إن اقترن بدعواه أمارة تدل على صحتها من كتاب قضية أو محضر ظاهر الصحة أحضر به الأول ، وإن تجردت الدعوى عن أمارة لم تحضره .

[ ص: 176 ] والوجه الثالث : أنه يحضره على الأحوال كلها ، لاحتمال الدعوى وحسم التظلم ورفع الشناعة .

فإذا حضر الأول استأنف المتظلم دعواه .

فإذا كملها سأله الحاكم عنها إن أوجبت غرما ، ولم يسأله إن لم توجب غرما .

لأن قوله بعد العزل غير مقبول في ماضي أحكامه .

ومقبول فيما لزمه غرمه .

وعمل الحاكم فيه على البينة بما تقوم به .

فإن اعترف بما يوجب الغرم ألزمه إياه .

وإن أنكره فقد اختلف أصحابنا في وجوب إحلافه عليه على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي سعيد الإصطخري لا يحلفه عليه ، لأنه استهلاك حكم وليس باستهلاك فعل وظاهر الأحكام نفوذها على الصحة ، ويجب صيانة الحكام فيها عن البذلة .

والوجه الثاني : أن يحلف عليها ، لأن حقوق الآدميين تستوي فيها الكافة ولا تختلف باختلافهم ولكن لو ادعى المتظلم أنه ارتشى منه مالا على الحكم فالرشوة ظلم كالغصوب فيجوز إحضار الأول بهذه الدعوى وإحلافه عليها إن أنكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث