الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


تفريق الشهود .

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله - : وأحب إذا لم يكن لهم سدة عقول أن يفرقهم ثم يسأل كل واحد منهم على حدته عن شهادته واليوم الذي شهد فيه والموضع ومن فيه ليستدل على عورة إن كانت في شهادته وإن جمعوا الحال الحسنة والعقل لم يفعل بهم ذلك " .

قال الماوردي : اعلم أنه لا يخلو حال من خفيت عليه عدالته من الشهود أن يراهم على كمال أو اختلال .

فإن رآهم على وفور العقل وشدة التيقظ وظهور الحزم لم يحتج إلى اختبارهم ولا أن يفرقهم لسؤالهم واقتصر على إثبات أسمائهم ليتولى أصحاب مسائله البحث عن عدالتهم .

وإن رآهم على اختلال من قلة الحزم وضعف الرأي واضطراب العقل اختبرهم قبل إثبات أسمائهم .

واختبارهم يكون بتفريقهم وسؤال كل واحد منهم على انفراده عن صفة شهادته ، في سببها ، وزمانها ، ومكانها ، لورود الشرع به عند الارتياب كالذي روى أن أربعة من حواشي نبي الله داود هموا بإصابة امرأة فامتنعت عليهم فشهدوا عليها عند داود بالزنا فهم برجمها فبلغ ذلك سليمان وهو يلعب مع الصبيان فاستدعى أربعة من الصبيان فشهدوا بمثل ذلك ثم فرقهم ، وسألهم فاختلفوا فرد شهادتهم فبلغ ذلك داود ففرقهم وسألهم فاختلفوا فرد شهادتهم .

وقيل إن أول من فرق الشهود دانيال شهد عنده أربعة على امرأة بالزنا ، ففرقهم ، وسألهم ، فاختلفوا ، فدعا عليهم فنزلت نار فأحرقتهم .

وحكي أن سبعة خرجوا في سفر ففقد واحد منهم فجاءت امرأته إلى علي بن أبي طالب تدعي عليهم قتله ففرقهم وأقام كل واحد منهم إلى سارية ووكل به رجلا واستدعى أحدهم وسأله فأنكر فقال علي الله أكبر فظنوا حين سمعوا تكبيره أنه كبر على إقرار الأول ، ثم استدعاهم واحدا بعد واحد ، فأقروا ، فقال الأول : أنا ما أقررت . فقال " قد شهد عليك أصحابك " . فثبت أن تفريق الشهود مع الارتياب ندب من سنن الأنبياء والأئمة لما فيه من الاحتياط ونفي الارتياب .

[ ص: 184 ] فإن اختلفوا عليه في الشهادة عند تفرقهم ردهم ولم يحكم بشهادتهم ولم يحتج إلى إثبات أسمائهم والبحث عن عدالتهم .

وعظ الشهود .

وإن اتفقوا ولم يختلفوا وعظهم بما يخافون به فضيحة الدنيا وعذاب الآخرة .

روى أبو حنيفة قال كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة فجاءه رجل ادعى على رجل حقا فأنكر ، فأحضر المدعي شاهدين فشهدا له بما ادعاه فقال المشهود عليه : والذي به تقوم السماوات والأرض ما كذبت في الإنكار ولقد كذبا علي في الشهادة ولو سألت عنهما لم يختلف فيهما اثنان ، وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال قد سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي بما في حواصلها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار فإن صدقتما فاثبتا وإن كذبتما فغطيا رؤسكما وانصرفا فغطيا رؤسهما وانصرفا .

وروي أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب بالسرقة على رجل فقال المشهود عليه والله ما سرقت ، ووالله ما سرقت ، ووالله لقد كذبا علي ، فوعظهما علي واجتمع الناس فذهبا في الزحام فقال علي : لو صدقا لثبتا ولم يقطع الرجل .

ولأن الحسد والتنافس قد يبعث من قلت أمانته على الشهادة بالكذب : إما اعتمادا لإضرار ، أو ارتشاء على شهادة الزور ، فلزم الحاكم التحفظ فيها فيمن جهل حاله اختبره بما أمكن من الاختبار والوعظ .

فإن رجع بعد وعظه ستر عليه ولم يفضحه إلا أن يتحقق منه أنه شهد بزور فيكشف حاله ليتحرز منه الحكام .

فإن أقام بعد الوعظ على شهادته أثبت اسمه حينئذ للبحث عن عدالته والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث